بعض الشيء عن كل شيء © Asmaa Khairy

Archive for September, 2012

تهالك ..

 

الإرهاق يستبد بها ، رأسها مثقل بالأم و جفنيها مرهقان من محاولات النهوض . يتسرب الخدر لأنحاء جسدها كلها . تثقل أطرافها و تشعر بجسدها يخرج عن سيطرها.

تلقي برأسها على كتف أخيها ، تسدل جفنيها ..

تغفو ، دون ان تدرك ..

يبتسم هو و هو يضم اخته إلى صدره شاعرا بالقوة و المسؤولية ، يعبث بشعرها ثم يقبل رأسها!

“حفظك الله يا درتي “

رياح الأمان …

ما أجملها من ابتسامة، تلك التي تزين ثغر ابنتي الآن وهي تنطلق بدراجتها بعيدا مترنحة قليلا و متوازنة قليلا …

أعرف أنها الان سعيدة للغاية لتراخي قبضتي على دراجتها و تركي اياها تسرع بعيدا لاتابعها بناظري و تشجيعي و دعائي ..

أعرف لأنني عندما كنت في الخامسة كان هناك رجل شديد البأس، دافىء الصدر يستند على دراجتي و يقوي خطواتي . هو من كان يعلمني كيف أقود دراجاتي، كيف أحرك بدالاتها للأمام و ليس للخلف . علمني كيف احفظ توازني و كيف أثق بقدرتي على قيادة دراجتي .

هذا الرجل هو أبي ..

تركت درجاتي و تركني أسرع بعيدا …

الهواء يتدافع بين خصلات شعري ، يداعب رقبتي و يثلج صدري بالحرية . صرخاته من الخلف تشجعني على الاستمرار . أسرع في حركة البدالات . لم أخف ، كنت واثقة أنه هناك و ما من سوء سيصيبني و عينه تحرسني . وصلت لنهاية الشارع و استدرت بدراجتي و عدت ابدل بسرعة في اتجاه أبي ..

أكاد أجزم أن عيناه كانت تلتمعان بنشوة لا توجد مثلها ..

لازالت الرياح تداعبني و لازلت اقود في اتجاهه . قلبي الصغير كان يخفق في شدة . احساس بالتفوق و الحرية لأول مرة. اضع قدماي على الارض لأوقف العجلة بجوار أبي و أصرخ “فعلتها أبي .. فعلتها” أقفز بين ذراعاه فيدور بي في الهواء ثم يضمني إلى صدره بشدة … “فعلتيها حبيبتي … قلت لك تستطيعين و استطعت “

*****

أفقت من أفكاري على صوت درجاتها و هي تتوقف بجواري ” فعلتها يا ماما .. فعلتها” أضمها بين ذراعاي و أدور بها في الهواء .. ” فعلتيها حبيبتي … قلت لك تستطيعين و استطعت  “

“تماما مثل أمك ، رائعة ” جاء صوت أبي من خلفي ، و اسرعت ابنتي لترتمي في حضنه ، فيضمها ، و يدور بها ، و تلتمتع دمعة في عيناه و هو يهمس لي ” تذكرين؟”

أم أولادي …

بعد أن وضعت طفلتها في السرير ، تمشت بتثاقل إلى غرفة ألعابها…

تبتسم لمرآها الألعاب مبعثرة في كل مكان، تتذكر أوقات لعبها و هي صغيرة و متعتها في بعثرة الألعاب لتدرك كم هي كثيرة . تتسع ابتسامتها و هي تسترجع صورة ابنتها و هي تلعب بألعابها ، و هي تصدر أصواتا و تتخيل قصصا و تختلق أحداثا . تتذكر حينما وزعت عرائسها على الارض و جلست تقرأ لهم قصة. كانت تمسك الكتاب و تقص عليهم ما تراه بالصور لانها لم تكن تعرف القراءة ، بعدها ، اصبحت تختلق قصصا لتناسب الصور لان ما تراه في الصور لم يكن كافيا ليكون قصة . تضحك بصوت عال و هي تتذكر ابنتها و هي تنهر احد عرائسها لعدم تركيزه معها …

تنحني لتجمع الألعاب ، ثم يفاجئها تحرك في بطنها. تربت عليها .

“اهدأ يا صغيري . ستخرج قريبا و تلعب مع اختك بهذه الالعاب كما تريد “

تفاجئها يدان تضمانها من الخلف و تربت على بطنها ، ثم تلفها و تنحني و تقول :

” لا تتعب ماما ايها الصغير . ” … “لأني أحبها كثيرا”

لفت يداها حول رأس زوجها و ضمته إليها …

ساعدها في جمع الألعاب و ترتيبها ، ثم جلسا وسطها ..

“حبيبتي أتعلمين ؟! لم أستوعب حتى الان حقيقة أن لدينا ابنة.”

“لازلت أذكر حينما عرفنا أنك حامل لأول مرة ، ثم بدأت بطنك في الانتفاخ، ثم ميلي على بطنك لسماع نبضها…”

“لازلت أذكر يوم الولادة حينما جلبوها إلي ملفوفة في الكثير من الاغطية، ازحت بعضها عن يديها فاخذت تلاعب بها الهواء.. مددت اصبعي بين راحة يديها فقبضت عليه و لم تتركه لبعض الوقت ولم احاول سحبه”

“لم أستوعب بعد حقيقة أن هناك كائن جديد على هذا الأرض ، بعضه مني و بعضه منك، تجسيد للحب و الاخلاص الذي يجمعنا “

“و الآن، ها هو على وشك التكرر مرة أخرى، و ها هو الصغير يتأهب للخروج، و سأكون أبا للمرة الثانية، و سيكون هناك كائن أخر يتكون منا سويا …”

“حبيبتي”

يضمها إليه و يسند رأسها إلى كتفه …

” أنا أسعد مخلوق على وجه هذه الأرض لأنك أم أولادي …”

ارتكنت برأسها على كتفه و على شفتيها ابتسامة و في قلبها أمان لم تحلم به يوما…

حبيبتي شغف

أيمكن أن يلتقي غريبان و يشعران بالانتماء لبعضهما البعض منذ الوهلة الأولى ؟؟

كانت جالسة في الركن القصي من احد المقاهي المطلة على بحر الأسكندرية. بدايات نوفمبر ، الجو بارد محبب ، و السماء أحيانا ما ترسل بخيرها ليغمرنا …

ظل يرمقها بنظراته  طوال الليل ، تأخر الوقت و لم تترك مكانها . لا تملك شيئا إلا كتابها الكبير . تغرق بين صفاحته . تنظر للسماء بين حين و آخر و يتسائل هو فيم تفكر ؟

التقت عيناهما لحظة حينما حانت منها التفاتة للبحر . تعلق بيعنيها لحظات . شعر بها مرتبكة لكنه لم يذهب بعينيه بعيدا ، انتظر حتى هربت هي بعيناها في تردد …

حينما قارب المكان على الاغلاق ، قام من مكانه و مشى بخطوات ثابتة إليها ..

– مساء الخير

– مساء النور

– أنا اسمي علي . ما اسمك ؟

– اسمي شغف .

مدت له يدها ، تشرفت بمعرفتك .

مد يده إليها بدوره و تصافحا . سرت رعدة غير مألوفة في بدنيهما تضرج على اثرها وجه شغف بحمرة خفيفة .

تشاغلت بازاحة خصلات شعرها الاسود عن عينيها لتداري خجلها بينما جلس هو يتأملها في صمت .

-شغف .. أتمانعين لو تمشينا سويا بجوار البحر ؟

صمتت قليلا و هي لا تستطيع أن تتخذ قرارا ، في النهاية قررت أن تذهب معه ..

*****

لم يتحدثا … سارا بمحاذاة البحر صامتين .. يصغيان لأمواجه .. سارا لأكثر من ساعة عندما قرر علي أخيرا الحديث …

– ماذا بك؟

رفعت عينيها لعيناه و لم ترد ..

تابع هو – أشعر بك، لا أدري كيف. أعلم أن هناك شيء ما يعتمر في أعماقك و يؤلمك . يمكنك أن تثقي بي

تمردت دمعة على محاولاتها اليائسة للتماسك .. و رغم ذلك ظلت متعلقة بعيناه …

ارتكنت إلى الحائط الصخري و هي تقص عليه قصة تيتمها منذ زمن ليس ببعيد ..

قصت عليه قصة غربتها . رحيلهم جميعا في حادث في ليلة ممطرة مظلمة . انتظارها الليل كله . فزعها في الصباح على صوت دقات الشرطة على بابها . اجراءات سفر زوج خالتها ليحضرها هي و ما تبقى لها من اثار عائلة لم تعد موجودة الى مصر . سفرها من القاهرة الى الاسكندرية هربا من الجميع . حتى جلوسها على المقهى إلى الساعات الاخيرة من الليل غارقة في الكتب .. علها تجد السلوى التي تجرفها بعيدا ..

ابتسم لها دون ان يتحدث .. مد لها يده يساعدها في الاعتدال

-شغف

-نعم

-يمكنك ان تبك .. سأكون هنا

*****

عاد إلى منزله  بعد ليلته الطويلة . اوصلها لمحل اقامتها و ودعها و اطمأن عليها . ثم عاد لبيته . لاوراقه و قلمه …

” حبيبتي شغف…

غرقت في حبك و انت غارقة في كتابك . و احتضنتك في قلبي من بين دموعك. وددت لو اضمك بين ذراعاي و لكن عزيزتي .. لذلك وقت سيحين قريبا ..

حبيبتي شغف …

يوم قريب سأضمك .. لن تشعري بالخوف مرة أخرى ..

حبيبتي شغف

اطمئني “

*****

في أحد فنادق الاسكندرية ، كان شعرها الاسود مبعثر على الوسادة المبللة بدموع طازجة ..

طفلة في اوائل العقد الثاني تحتضن وسادتها و تغرق في سبات عميق

خطوات…

كنت في التاسعة عشر من عمري عندما رأيت مثل هذا الحذاء لأول مرة .. كان حذاء أحمر لامع و جميل .. قلت لنفسي هامسة .. عندما تكون لي بنت سأشتريه لها .. و عندما رزقت بمريم .. اشترتيه لها ..

ذكرى الشراء رائعة .. وقفت انا و اباها امام المتجر و انا اقص عليه قصة الحذاء في طفولية و صممت ان اشتريه .. فاشتراه لي .. و قال لي انه هدية مني لمريم و ليس منه و سعدت بذلك سعادة لا توصف ..

أحبت مريم الحذاء و كانت متمسكة به جدا .. حتى و هي تكبر أصرت على الاحتفاظ به .. خاصة عندما عرفت حكايته ..

و على مدار السنوات احتضنت قدماها أحذية كثيرة . أذكر كل حذاء اشتريناه . خطواتها المتأنية و هي تجرب الحذاء . سعادتها عندما نعجب كلانا باختيارها . أول مرة ترتدي حذاء ذو كعب عالي في  حفلة احدى زميلاتها بالاعدادية . بهجة ما بعدها بهجة . كأن كل حذاء جديد يحمل معه خطوات جديدة في الحياة و طرق جديدة و ابواب جديدة …

حذاء حفل تخرجها . اشترته بعناية . صممت ان يكون هادئا لا صارخا . و كأن الحذاء سيعبر عن شخصيتها . بدت فيه رائعة . تمشي بخطوات واثقة متأنية و حيوية إلى المنصة لاستلام شهادتها وسط تصفيق الجماهير . تقف شامخة و هي تسمو نحو الأعالي ..

آه.. ذكريات

اليوم .. نحن في متجر الاحذية الذي اشتريت منه حذائها الأول .. اليوم .. تجرب الأحذية لحفل عرسها .. أراقبها و هي تجرب الحذاء تلو الأخر .. أراقب قدماها كيف كبرتا .. كيف مضت الأيام و سرقتنا الخطوات ..

ألمح حذائا يشبه حذائها الاول ..

ابتسم ..

تهرب دمعة من عيناي ..

أنحني على رأسها أقبلها

آه يا حبيبتي .. كم أحبك .. كم كبرت ….

Tag Cloud

%d bloggers like this: