بعض الشيء عن كل شيء © Asmaa Khairy

Archive for July, 2015

انفجار

عيد

المضحك في الأمر هو تعللي بالعيد المستمر لتأخير أي شيء وكل شيء كنت أود الانتهاء منه. كل شيء مؤجل لما بعد العيد. بينما تكمن الحقيقة أن العيد نفسه غائب، أو لعله العيد كما اعتدته كان غائب، وأنني كلما كبرت سأكتشف أنه لم يكن سوى سراب من سرابات الطفولة المتعددة.

عروسة

في أحد الأعياد في المرحلة الابتدائية، خرجت وأبي لشراء ملابس العيد، ولما لم يكن أبي يدخر شيئًا في وسعه أو في غير وسعه لإسعادنا، أعجبتني عروسة لعبة. تلك العرائس الطويلة التي ترتدي فساتين وقبعات وتبتسم لك مهما كان الأمر. كانت ترتدي فستانًا كأحد الفساتين التي كنت أرتديها وأنا أصغر سنًا، كان أحمرًا مليئًا بالزهور، وكما الأطفال “شبطت”. اشتراها لي أبي بـ  60 جنيهًا، ولا أذكر السعر إلا لأنني أذكر جيدًا أنها كانت آخر ما لديه في محفظته ذلك اليوم، وأنه كان مبتسمًا عندما رفضت أن يضعها البائع في كيس وأخذتها في حضني وخرجت مع أبي وأنا فرحة، وكان فرحًا لأيام بعدها وكان يبتسم كلما أتيت على ذكر مدى امتناني لذلك اليوم؛ رغم كل ما شعرت به من تأنيب للضمير لاحقًا كلما استرجعت الأمر وأنا أكبر. واليوم، أنا في بلد، وأبي في بلد، والعروسة والعيد في مصر؛ ومشهد أبي فرحًا كان ولم يزل عيدًا، ولأجل العيد كان استرجاع الذكرى.

عمر

مازلت في حيرة من أمري كيف يحسبون العمر، مرهقة للغاية شهادات الميلاد والعمر الذي ينسب إلينا والسنوات التي نحملها ونسير ونجهل أين تبخرت. عندما أتممت الثامنة عشر كنت غاضبة للغاية، كنت أظن أنه من المستحيل أن أتمها وأنا خارج مصر وقد كان، وليس هذا وحسب، كانت مصر تعيش أيام فارقة وكنت أشهدها من الخارج كمعلقي الكرة الذين لا يلمسون شيئًا من اللعبة ولا حماس الملعب ويعلقون على كل شيء من مقصورة مكيفة معزولة عن الأصوات الخارجية ومعزولة عن كل شيء. عندما أتممت الثامنة عشر قررت أن العمر الذي أمضيته خارج مصر لن ينحسب، وعليه فإن عمري حين اتخذت ذلك القرار كان أربعة عشر عامًا وبضعة أشهر كانوا يمثلون الإجازات الصيفية. وعندما دخلت الجامعة وأتممت التاسعة عشر كنت أتمنى أن ينتهي كل شيء ويتوقف فالعمر ينسحب وأنا لا أذكر منه شيئًا ولا أريد. كان يوسف يكبر، وكان ذلك هو المؤشر الواضح الجلي الذي لا يمكن إنكاره، لقد خرجنا به من مصر أول مرة رضيعًا له من العمر ثلاثة أشهر أحمله على كتفي أغلب الوقت، الآن صار طفلًا كبيرًا ينقصه بضعة سنتيمرات ليصل إلى كتفي طولًا؛ استسلمت لحاسبات العمر، وهل من بد من الاستسلام؟!

حب

الكابتشينو مع الشيبسي بالشطة مع الشوكلاتة، حقيقة أنها كانت كعكة شوكلاتة ولكنني لا أستطيع تحمل الكعكة فاستبدلتها بالشوكلاتة العادية. سويًا يمثلون طعم ملموس للسعادة؛ إلى حين.

زفاف

منذ يومين راودني خاطر الزفاف، أن تحدث المعجزة، أن أعود إلى مصر أسبوع واحد، أزف فيه من منزلي، أن يحتضنني سريري الذي احتضنني طفلة ليلة زفافي، أن تكون جدتي وخالتي وعمي هناك، أن تكون عائلتي هناك، أن تكون عائلة زوجي المستقبليّ هناك، أن يتزين سطح منزلي وغرفة استقباله الواسعة لليوم، أن تبيت معي الفتيات وأن أستسلم في فرحة لأحضان من شاهدنني طفلة أكبر حتى الزفاف، أن أرى عينا خالو وهو يقول “مبروك يا بابا”، أن أؤدي حق الفرحة لكل أحبابه وأحبابي. أن يكون زفاف وسط العائلة والأصحاب المقربون، من المنزل إلى المنزل، دون قاعات، دون تَكلُفات، دون شيء سوى الفرح الذي نحتاجه.

غربة

ابتسامة صفراء باهتة قد تكفي للتعبير عن الغربة. أو ربما ملاحظة كلمات أغنية فيروز “نسم علينا الهوا” لأول مرة في يوم “غلط خالص”. ««… فزعانة يا قلبي، اكبر بـ هالغربة، وما تعرفني بلادي، خدني، خدني على بلادي.»».

حدوتة

عن الاكتمال، الضعف بالقوة، أمس فجرًا.

طاقة

كل شيء سيكون على ما يرام.

حُب

اللهم لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت ولك الحمد بعد الرضا ~

IMG_0292_2

الدوحة – 19 يوليو 2015

4:37 AM

الرصاص لا يعرف الحب

الرصاص لا يعرف الحب

أسماء خيري

على مدار سنوات عمري لم يخبرني أحد عن الحب كما أعرفه الآن، ولعل كتابتي اليوم عنه تخرجه عن كل السياقات المعتادة، وتجنبًا لمقدمات طويلة دعوني أقول: لعلي لم أتمن شيئًا في حياتي كأن يوصيني أحدهم “تزودوا بالحب .. فالحب لا يعرفه الرصاص”

*****

ترددت طويلًا من أين أنطلق في الكتابة، وحقيقة غلبتني التساؤلات وقررت ألا أعود إلى نقطة ثابتة للبداية ولأبدأ من حيث أنا.

أمس، شهدت مصر سقوط سيل من الدماء. والدماء دماء، بغض النظر عن موقفها من معادلة الصراع. والصراع مستمر دام لا يرحم، يسلب الأهل والصحب والأحباب، يسلب العمر والصحة والأجساد، ويكاد يسرق أروحنا. الصراع يستنزف إنسانياتنا حتى بات من الطبيعي استمرار ترهات على الشاشات فوق شريط أخبار عاجل تستمر أرقام الضحايا في الوميض عليه؛ ضحايا كل الأطراف، المحسوبة والمهمشة.

وهناك، عند هذا المبنى العتيق الذي شهد الكثير منا ضيوفنا على مدار الأعوام الماضية، هناك عند «المشرحة» ضمت امرأة مُحبة وجه زوجها المقتول بخمس رصاصات، بين كفيها بحنان وقبلته، وارتمت ابنة في حضن أبيها المقتول برصاصات خمس، لآخر مرة، ووقف شاب يغالب دموعه على استحياء رثاء لأخيه الذي قتلته أيضًا رصاصات خمس، فيما ضمته أمهما الثكلى، ويتكرر المشهد، يتكرر مع كل جثة من الجثث التي دلفت إلى مبنى المشرحة، الرصاصات الخمس، العائلة، والحب.

لقد شهدت المشرحة أمس دونًا عن الوطن بأكمله، فيضًا من الحب في دمعات متمردة، وقبلات مختلسة، وأحضان أخيرة، ودعوات متوسلة، ولمسات وداعية؛ حانية. شهدت المشرحة أمس الحب في بهاء لحظات الألم التي لا تتكرر؛ لحظة الوداع.

*****

حين كتبت أمينة قطب الأبيات الختامية لقصيدتها «هل ترانا نلتقي» قالت: لم يعد يبرق في ليلي سنا .. قد توارت كل أنوار الشهاب. هكذا خطت أمينة حياة ما بعد الوداع، ليل بلا أنوار بلا نجوم بلا هَدي؛ إلا أن أمينة لم تنهي القصيدة عند هذا البيت. بعد تساؤل ولهفة وعتاب ومصالحة ووداع ثم ظلامه، لم تتم القصيدة، بل استمرت، حملت أمينة ما مدتها الحياة به من حبٍ ومضت في ثلاث أبيات لا تخاطب سواه؛ الحبيب:

غير أني سوف أمضي مثلما .. كنت تلقاني في وجه الصعاب

سوف يمضي الرأس مرفوعًا فلا .. يرتضي ضعفًا بقول أو جواب

سوف تحدوني دماء عابقات .. قد أنارت كل فجٍ للذهاب

*****

لو أمعنا النظر قليلًا، فإن الحب هو ما تبقى لنا من زاد أمام كل ما تجابهنا به الحياة، الحب هو الشيء الوحيد الذي لا تطاله قيود الظالم ولا حبال مشانقه ولا رصاصاته. الحب هو الشيء الوحيد الذي لا يمكنه أن يسجن، ولا يمكنه أن يقتل ولا يمكنه أن يصادر. الحب هو كل ما تبقى لنا.

الحب، هو قوت أرواحنا الباق أمام يأس الحياة، هو هدايانا لأحبابنا في حلكة الظلام، هو الشمعة الوحيدة التي لن تنطفئ إذا منع عنها الهواء.

الحب هو روح الثورة، هو روح الحق، وهو روح الحياة.

*****

لم ألتق حسن البنا بعد، ولم أجلس إليه الجلسة التي أتوق إليها لنناقش سويًا الكثير مما كتب والكثير مما قيل، ولم أبحث وراءه فيما قصد حين قال «سنقاتل الناس بالحب» لأنني لم أفهمها حين قرأتها أول مرة، ولم أفهمها حين سخر أبناء جيلي منها، ولم أفهمها سوى عندما لم أجد من الحياة ما يعينني على الاستمرار فيها سوى الحب. وسواء كنا نتفق في معناها أم لا فأنا أثق أن البنا سيتفق معي على طرحي لعبارته الآن. لقد كتب علينا القتال، القتال من أجل البقاء في مجتمع لا يقبل من يرفض الذات العسكرية والسلطة الفاشية الظالمة، كتب علينا القتال لأجل البقاء رغم الرصاص والمشانق والقيد والسرقات والتنكيل والمطاردة، كتب علينا القتال من أجل الحياة، وأيًا من كان من يجب أن نقاتله فلا ذخيرة لنا ولا سلاح ينفعنا قدر الحب. ولم يكذب البنا حين قالها، فلا سبيل لنا الآن سوى القتال بالحب.

*****

«أنا كل ما تودعنا..كأنّا تودّعنا لآخر مرة حبيبي…»

كانت النية الأولى للكتابة اليوم عن المآسي المتوقعة في المرحلة المقبلة من الصراع، ولكن ضربة الشمس التي تلقيتها صباحًا كتمت عبارة واحدة من أغنية فيروز «سألتك حبيبي» في رأسي ولم تخرج، لم تخرج لأنها كانت تُعزف على وتر شخصي بروحي حقيقة رغم تداخله مع الصراع، لكن يظل وتر خاص جدًا بي. بقيت العبارة بالأعلى تدندن برأسي المتعب بقية النهار وحتى اللحظة، فعدلت عن كتابة المتوقع من المآسي وقررت أن أكتب ما كتبت. وأما عن المتوقع فلا سبيل لمجابهته سوى بالثبات والصبر. وأما عن الفقد، فلا سبيل لمجابهته إلا بالكثير والكثير من الحب، وليكن كل لقاء لنا مع الأحبة كأنما هو الأول، وكل وداع كأنما هو الأخير، ولنحسن الحب ولنغدق الود حتى تتوسع أرواحنا لتحفظ الحب وينزوي الألم تحت وطأة الحب في الركن، ويخفت فلا يبقى من الفقد سوى ريح الأحبة.

*****

«أن هذه القلوب تعاهدت على محبتك»

أجمل ما بورد الرابطة الذي أنساه حينما أنسى الوقت أو يسرقني، هوالتذكير المستمر بالحب، فنحن نحب الله ونتحابب فيه، وإن حب الله والحب فيه لزادٌ لا تصفه كلمات.

*****

وحتى لا يجهض هذا المقال كغيره من محاولات الكتابة السابقة بالدموع، فلا شيء أجدر بالختام من وصية قطب لأخيه رغم الأسر، والقيد، والمشانق:

«فأطلق لروحك إشراقها .. ترى الفجر يرمقنا من بعيد»

تزودوا بالحب .. الرصاص لا يعرف الحب؛ ولن يستطيع أن يقتله.

تزودوا بالحب .. الرصاص لا يعرف الحب؛ ولن يستطيع أن يقتله

Tag Cloud

%d bloggers like this: