بعض الشيء عن كل شيء © Asmaa Khairy

Archive for August, 2017

سينتو ايه ڤينتشي سيز

يصعب تحديد المنزل في البداية لأن واجهته صغيرة كجميع البيوت المتلاصقة في ذاك الشارع. يقع هذا الشارع تحديدا بين مطالع ومنحدرات كثيرة تصب جميعها فيه… لذلك قد تشعر أحيانًا أنه لا مجال فيه للتوقف ولو لبرهة.. لذلك كان لا بد لي من حفظ الرقم والمثير للسخرية بالطبع أني تعلمته من الأوراق النقدية ومعرفتي – الثرية الفقيرة – بالفرنسية.

“سينتو ايه ڤينتشي سيز؛ بور فاڤور”

أبتسم للبوابة الحديدية التي قد تثير بعض القلق في نفس من لا يعرفها.. أبتسم بصدق لقضبانها والستائر المغلقة أو المفتوحة خلفها.. أحيانًا لا أضطر لذلك لأن أستاذنا يكون قد جاء بالفعل يعدل من وضع نظاراته و يعاتبني على طول الغياب بأسلوب ضاحك أو يفتعل عدم الاكتراث فتضحك ملامحه كافة حينها…

يملأ المنزل دائمًا رائحتين مميزتان وجميلتا الاختلاط.. القهوة والمطر.. يبدو الجو نديًا معبئ برائحة القهوة التي لا يخلو منها المنزل.. كثيرة السكر.. أنا الزائرة الوحيدة لذاك المنزل التي تشرب القهوة دون سكر… وفي ذاك المنزل تحديدا، أؤمن، أن لا أحد يكون بحاجة للسكر..

لا وجه يشبه الآخر في ذاك المنزل.. لا طرق تتقاطع.. لكن لا أحد هناك غريب.

تتناثر الأحاديث في كل ركن بالمنزل وفي الخطوات القصيرة إلى الخارج وفي ابتسامات وغمزات على بعد عند تبادل النكات أو المزاح.. ويغيم المكان حين يغتم أحد رواده وتواسيه الأركان كافة وكف الاستاذ تربت عليه أو تمتد إليه بالكوب الذي يهون على شفاهه كل شيء…

دائما تشاركنا الأمطار والقهوة لحظاتنا مهما كانت..

يقال أنك تترك في الأماكن دائمًا بصمة من روحك وقد تترك فيك الأمكنة بعض روح… تركت بـ سينتو ايه ڤينتشي سيز الكثير من روحي وترك بي الكثير والكثير من الحنين… هناك كنت أخطو آمنة بقدماي سواء كانتا بحجمها العادي أو المضاعف عشرة أضعاف نظرًا للحمل ولا أخاف.. وأستند على كتف خالد وهو يرتكن بجهازه على ركن المقعد وأخبره بكل ثقة.. “أنا أحب هذا المنزل..”

لم أودعه.. لم أملك الجرأة؛ ولم ألملم روحي وأغادر.. تركت منها ما تركت أملًا في  عودة.. ولو لم أعد؛ حينما أمر بذاك الشارع الذي لا يتوقف به أحد.. سأقف؛ سأبتسم للبوابة الحديدية.. وأثق من كل قلبي أن المنزل سيبتسم لي.. بكل ما فيه من روح؛ من أعماق قلبه.

*

*

*

*

*

أسماء

اسطنبول، فجرًا

كراكيب

كانت الآنسة الصغيرة تمضي في طريق طويل يسمى طريق الحياة وكانت الأحذية مريحة أحيانًا وأحيانًا أخرى كانت مؤلمة للغاية.. لكن لا شيء كان يغير واقع أن الطريق كان طويلًا.. طويلًا بلا نهاية.

حسنًا.. هذه بداية مملة جدًا لقصة أطفال عديمة الملامح.. ولكن هذه القصة للكبار فقط؛ لذا، فالبدايات مهمة.

كان الطريق ككل طريق طويل للغاية.. أحيانًا يتقاطع مع طرق أناس آخرون لكن مهما استمروا فإن الفراق لا بد منه ولا مفر؛ كانت هذه معلومة تجاهلها الجميع عند أول خطوة على هذا الطريق.. لكنها تصبح بديهية مع الوقت.

كان الطريق بالفعل طويل.. ولا أدري لم استعمل صيغة الماضي عند الحديث عن طريق لم يزل طويلًا. وكانت الآنسة الصغيرة – هنا أعلم لم أستخدم صيغة الماضي لذا لا داع للتساؤل عن هذا أيضًا – تترك خلفها في كل انحناءة آثرًا ليعود بها إلى خبراتها المختلفة وذكرياتها المتعددة.

ولأن الطريق طويل للغاية.. أصبح الطريق مزينًا بـ “كراكيب” لعبة، وكراس، وكتاب، و ميدالية، وقصاصة ورق فارغة، وتذكرة سينما، وكارت شحن، فاتورة شراء، منديل عليه فكرة مهمة، مدونات، صور، تذكارات، مفاتيح وأحذية… وأشياء أخرى بالطبع؛ أعني.. لو عددنا الكراكيب على طول الطريق لكتبنا قصة بطول الطريق.. أليس كذلك؟!

على الطريق الطويل من السهل أن ينسى المرأ من أين أتى، ماذا حدث له، وأحيانًا… ينسى من يكون!

كانت كراكيب الآنسة الصغيرة تساعد في الإجابة على الأسئلة الكبيرة، وكانت توثق كل انحناءة فارقة وكل شيء له معنى.

كان الطريق الطويل يمر عبر البحار.. مضت الآنسة الصغيرة عبر البحار فمضت؛ لم تعد، والتهمت نيران النسيان كراكيب الآنسة الصغيرة..

على الناحية الأخرى من البحار الواسعة.. وقفت امرأة يافعة تلمح الأضواء البارقة لنيران النسيان تغشى خطوات الآنسة الصغيرة، وقفت.. تنفست ثم أدارت ظهرها إلى البحار في حذاء جديد وتابعت..

مازال الطريق طويلًا جدًا..

مازال الطريق طويلًا.

*

*

*

*

*

أسماء

اسطنبول، فجرًا

كابتشينو كرامل

“كلاسيك كورتو” مشروبنا الأول، والأجمل، والأكثر عذوبة.. كان أول يوم يبدو كل شيء فيه حقيقيًا.. أول يوم يجعلني أثق أن بإمكاني أن أكون نايتآنجيل كما كنت أحلم دومًا… لأن كوننا معًا كان ضربًا من الخيال الجميل لي أكثر منه حلمًا.

حلوى الجوز.. كانت تجاور ذاك الكوب الصغير؛ وكانت أحلى حلوى أتمنى يومًا أن أصنعها وأخزنها في بطرمان كبير عملاق يليق بها… يومًا ما سأفعل.

والحب، الحنين المتدفق، ورهبة البدايات.. كانوا يعلون الأكواب..

كنت طفلة.. قبل ذاك اليوم.. طفلة تريد وتخشى أن تكبر؛ وذاك اليوم… لم أكن أي شيء أعرفه.. ولم تكن سوى البداية.

تشاركنا القهوة حول العالم منذ تلك اللحظة، في الدوحة كان الكافيه الذي لا استطيع نطق اسمه ويليه 1988.. وكذلك قهوة كريسبي كريم التي تحصل معها على دونات هدية وستاربكس، حيث كنا نجلس مع أبي واخوتي.. ثم محل القهوة الذي رشحه حسام بماليزيا حيث القهوة بالبندق والكافيه لاتيه ومن ثم ستاربكس من جديد حيث تشارك المحل كاملا قهوتي – أرضية المحل أقصد، ثم مادو باسطنبول إلى حين افتتاح فرع ستاربكس الذي يغلق أبوابه في اللحظة التي أتوق فيها إلى القهوة في تمام الـ 11:00 مساء، ثم كوبنهاجن وكافيه دو بوينتو بساو باولو وستاربكس مرة أخرى حيث يصنعون قهوة خالد المفضلة اسبريسو دو دويسه – اسبريسو بالكراميل يقدمونه مع قهوة وابتسامة – ومحل الحلوى المقابل للفندق الذي كان يخونني فيه مع حلوى كثيرة السعرات الحرارية والبداريا مع أخف وألذ كعك تذوقته في حياتي – وأعجز عن صنع مثله حتى الآن…

تشاركنا القهوة حتى في مستشفى الولادة.. أينعم شاركنا إياها بنطاله لأن التاكسي كان مسرعًا.. لكن تشاركناها هناك.. على السرير بجانب الشباك المزين بحبات المطر وخلفه شجيرات خضراء تتمايل.

كابتشينو كرامل.. كانت تلك أول قهوة طلبتها بعد الولادة..

كان وسيلتي لإقناع خالد أنه بإمكاننا شرب القهوة دون ستة أكياس من السكر.. واقتنع.. وصرنا نشربها سويًا على الطريق وفي المنزل..

خاصة في المنزل.. إذا كان عائدًا متأخرًا، أو استيقظ مبكرًا لأداء مشوار سريع… يعود حاملًا لي كوب قهوة؛ وأحيانًا كوبين… ورغم أنها تحمل اسمه مكتوبًا بالتركية… إلا أنها في عيناي لا تحمل سوى كلمة واحدة:

أحبك.

*

*

*

*

*

أسماء

اسطنبول، فجرًا 

المتمردة والمحفظة البيضاء ذات الشريطة البنية اللامعة

الحب”..  “أنا سوف أحب” تتقافز فتاة في السابعة وهي تغلق قصتها الأولى عن الحب. تعدد في رأسها ما تعرفه عن الحب.. ثم أخذت تعدد من تحب.. ثم أخذت تتقافز فرحًا: أنا أحب كل الناس.

كانت السنوات السبع حكمًا أكثر عدلًا على ماهية الحب مما تكون الحياة؛ لذا بالطبع أكتب عن تلك الفتاة بضمير الغائب.. لأننا تباعدنا كثيرًا وصارت ذكرى جميلة في الصور.

رحلت تلك الفتاة مع سنوات الابتدائية حين قرأت في الثامنة قصة عن حبيب غدر، ثم رأت مدرستها المفضلة تبكي لانفصالها عن زوجها التي كانت تحب؛ ثم زميلات الدراسة وهن يتغيرن فيتباعدن ويتقاربن. ثم سنوات الإعدادية والثانوية حيث قطار الملاهي السريع الذي لا يتوقف ولا ينسى؛ ثم الجامعة حيث الدنيا أكبر وأكبر من القصص الملونة ذات النهايات السعيدة والعالم ذو القنابل والحروب والسياسات الصفرية.

آه؛ كلا، لقد زارتنا فتاتي حين ذكرت السياسات الصفرية ونظريات الواقعية، وابتسمت وضحكت.. وقالت أحب هذا. شغف قلبها حبًا جديدًا يدغدغني كلما ذكر.. لكن ليس مكانه هذه القصة.

دعوني أتوقف هنا لأرتشف رشفة من شايَّ الساخن الخالي من السكر – في كوب من الزجاج الملون لأنه يذكرني بصويحبات يملئنني حبًا

نعم، كنت أقول، تباعدت وفتاتي الصغيرة وصارت ذكرى جميلة في الصور؛ إلا أنني لم أتوقف عن الحب. أحب كل الناس.. ولكن؛ مع الأسف، لم يعد ذلك سببًا للتقافز فرحًا.. ربما.. للبكاء.

وصفت لحبي للعالم بالمتمردة من كل حد وصوب، كل من أحببت عارضني لحبي لآخر.. وأدركت أن نفسي لن ترتاح يومًا لأن لا أحد في دنيانا يحب الحب كاملًا. أدركت ذلك لحبي لدراستي وصقل معلميني لي. أنا نتاج ما علموني.. والحب.

قبل أن يكون العالم قرية صغيرة عن طريق أسلاك عملاقة تمر أسفل المحيطات الخطيرة، كان عالمنا الضيق جدًا يعتبر كلمة الحب عيب. لذلك كان ممنوع قولها وبالطبع تعرفون أن ما يقر في القلب يقر في القلب وإن مُنع اللسان من التصريح به ورغم ذلك أحببت عالمنا الضيق جدًا… تمامًا كما أحب قريتنا الصغيرة الآن. المهم؛ لم تكن أمي تحب ترديد كلمة “حب” حتى لا يؤذيني عالمنا ذو الفهم المعيوب عن الحب.. ولكنني كنت متمردة في حضورها أيضًا.. ولأنني الآن أم.. فأرى الآن بقلبها الشغوف كيف كانت تخشى عليّ من العالم.. لا تمنعني من الحب.

وذات يوم، كنت بعملي في قريتنا الصغيرة إذ صادفت أميرًا. لم يكن أميرًا ذو حاشية وخيل وعربات وقصور، لكن كان خلوقًا كيسًا لطيف القول ورقيق الابتسامة؛ فمُلئت روحي في حينها بنبضة من قلبي.. تنبئ خلايايّ كلها أن القلب قد خفق خصيصًا لينعم بلحظة جديدة من الحياة؛ ليحب هذا الأمير.

أوه؛ كانت تلك رواية فتاتي الصغيرة بالطبع.. وروايتي أيضًا.. لأننا قد التقينا مجددًا في تلك اللحظة.. وللحظة.. تقافزت فتاتي فرحًا وهي تقول.. “أحب كل العالم”

وذات يوم جاء أميري ليشاركني حب العالم.. كنت فقدت الأمل في أن أجد قلبًا واسعًا يتسع لبعض حبي لكل الناس؛ فوجدت قلبًا يحبني معهم. في ذات اليوم ذهبت فتاة في السابعة لأمها وتقافزت فرحًا وقالت: “أحب.”.

تورد وجهي أنا وتورد وجه أمي.. لكن فتاة في السابعة ظلت تتقافز.

مضت الأيام.. كما تمضي؛ أو بالأحرى.. كما يجب أن تمضي.. لأنها لا تفعل ذلك كثيرًا؛ وجاءت أمي للطفلة بنت السابعة بمحفظة بيضاء ذات شريطة بنية وقالت: “هنا أحتفظ لك بهدية زفافك”.

كانت المحفظة بيضاء كقلب أمي، مصنوعة من الساتان الأبيض الذي أعشق كفستان زفافي، مزينة بتطريز رقيق كيداها التي أفتقدها حين كنت أقوم على صوتها وهي تصلي فجرًا. تعلو الخيوط دوائر لامعة، وتغلقها شريطة بنية لامعة وزر بني متلألأ… انطبعت صورة المحفظة في ذاكرتي وعلمت أن فيها كانت تحفظ أمي كل الحب الذي لم تردني أن أهدره على عالمنا الضيق ذو الفهم المعيوب للحب.

آتى يوم الهدية، وتم الزفاف، وصار العمر لحظات تتسرب هربًا منا في ساعة رملية ذات اتجاه واحد؛ وصارت بنت السابعة أمًا…

وضعت فتاتيها في السرير ومضت تجوب المنزل حتى يناما… ولمحت في مكتبتها محفظة بيضاء ساكنة ذات شريطة بنية لامعة؛ فابتسمت..

“ياللعالم….”

تمردتُ وتمردت فتاة في السابعة، وأحببت العالم عمرًا ولم يحببني… وإن نضب الحب يومًا في قلبي؛ أرنو لمكتبتي…

فيها هدية أمي.

محفظة بيضاء، ذات شريطة بنية لامعة.. مليئة بحب.. يغمر العالم؛ ويفيض.

**

اسطنبول

 

الطبق الأزرق المائل للخضرة مرسال الهدايا

هذا ليس لوني المفضل لذلك لا يأسر عيني كلما رأيته، ربما أراه كثيرًا وأنسى رؤيته، إلا أنني حين كنت أبحث عن شيء أضع فيه القليل من الطعام لم أكن لأختاره – بالطبع أختار طبقي الأبيض ذو الفراشات البنفسجية المستطيل وليس المربع؛ لأنه يسعدني – ولكنني رأيته وكأنما هو في غير موضعه، فاقد هدفه في الحياة، وينتظر الضوء ليدخل مع كل فتحة للدولاب يتمنى أن تمسه يد آدمية دافئة؛ وتنكسر روحه مع كل إغلاقة لا يكون فيها على ناحية النور.

كانت يدي قد امتدت بالفعل لطبقي الذي يسعدني؛ إلا أن هذه المرة لم تتحرك عيناي عن الطبق الأزرق المائل للخضرة؛ هذا لون جارتي المفضل – التي وإن حتى تركت المنطقة أظل أشعر معها ومعها فقط بألفة الجيرة وروعة تشارك الطعام ولا أدري كيف أشم في حضورها عبق المنازل الدافئة – كان مرسالًا للطعام فيما بين شقتينا التي كانتا فعلًا “الباب في الباب” كان يعبر بكل جميع من الطعام والحلوى – بالطبع أنا كنت أصنع الحلوى وجارتي كانت تصنع كل جميل – وحين سافرت صاحبته ثم غادرت شقتها؛ تركته لدي، وبينما كان يستعد للعودة إليها كانت تقول: افتكريني به.

تأملته مليًا وأنا أسترجع الذكريات التي كان دومًا جزئًا منها.. كان عاملًا جميلًا من عوامل الدفئ وكان شاهدًا على خير جيرة.

عاتبت نفسي لأن يدي لا تمتد إليه في البداية، وابتسمت له.. كل جماد بداخله ذرات لا تسكن؛ عندما لمسته أحسست به يرتجف كمن لا يصدق نفسه – أو ربما كانت تلك يدي ولكن لا يهم.

الطبق الأزرق المائل للخضرة مرسال الهدايا يقبع الآن على الطرق الآخر من الدولاب حيث النور.. ينير قلبي بذكرياته الدافئة ويشاركني لُقمة لازمة قبل الدواء ويؤكد لي أن أحيانًا يفوتنا جميل الحياة وفيض المشاعر حين نركن إلى مساحة آمنة..

نعم يا طبق جارتي الغالية.. أنا أفتقد هذا الدفئ وقد أثرت بي الشجن؛ لعلك الآن هادئ الحياة لا تتلقفك الأبواب محملًا بالهدايا.. لكنك شاهدٌ جميل على خير كثير.. لم تفتك الحياة ولم ينته دورك… ولربما يومًا.. ربما.. يومًا.. تعود الجيرة؛ فتعود الهدايا.. فتتلقفك الأبواب إلى ما لا نهاية.

أسماء

اسطنبول، فجرًا

Tag Cloud

%d bloggers like this: