بعض الشيء عن كل شيء © Asmaa Khairy

Archive for March, 2019

في سلام… يا روحي

وقفت أمام البائع وهو يصنع قهوتي الخاصة، الخاصة جدًا، وهو يضحك من طلباتي التي لا يبدو أني أخجل من طلبها في المرة الأولى للتعامل؛ وقفت أمام البائع أتأمل المناديل وهاتف بداخلي يخبرني أني سأحتاجها اليوم لا أدري لماذا! تجاهلت الهاتف بكل ما بي من قوة لأنني ليس بي من قوة لأي من مسببات احتياجها من مرض أو حزن. أخذت قهوتي ومضيت إلى محاضرتي حيث عدت طالبة علم – وفيما بقى من وقت «التنفس» حكيت لزميلاتي الجدد عن قصة ولادتي لبناتي؛ عن البداية التي جبرت كل شيء…

*****

هاتف بداخي قال لي تلكأي، هاتف قال لي أن هناك سبب ما للتأخير اليوم؛ واستمعت له…

تلكأت بالفعل، دخلت محلًا لبيع أشياء منزلية تبدو مألوفة، ملاعق الطعام هي ما سرق عيني، ملاعق طعام بأيد بلاستيكية تذكرني بشكل ناعم جدًا بطفولتي…

وجدت في ذاك المحل «علاقة» للمفاتيح على شكل فراشة، فابتعتها، وابتعت حقيبتين صديقتين للبيئة؛ عليهما فراشات أيضًا.

*****

في الـ 15:04 وصلتني مكالمة راسلتني أمي خلالها ولم يصلني إشعار رسالتها، وصل صديق عزيز حاملا مفتاح سيارة، تخاطفنا أطراف الحديث على عجل ثم ودني، كان طيفه مازال بالباب حينما فتحت صندوق الوارد ولمحت رسالة من أمي: «ادعيلها كتير»

*****

فتحت الرسائل وأنا في بالي مواساة أمي على مصاب في أحد أصدقائها أو أقاربنا؛ لم يجل بخاطري أبدًا أن المصاب سيكون مصابي.

*****

«كانت جميلة أوي»

هكذا يخفف الألم ربما، أو…

ليس من رأى كمن سمع؛ ومن سمع لم يكن له أن يرى.. ومن سمع لم يكن له أن يستوعب ما لم ير رؤى العين!

*****

«إن العين لتدمع، وإن القلب ليخشع وإنا على فراقك يا روحي لمحزونون»

إن العين فاضت يا روحي، والقلب انفطر؛ لكن أحقًا فارقناك؟!!!!

*****

أول ما جال بخاطري هو أن أذهب للمطار؛ هناك لن يكون من أحد يلومني على البكاء علنًا، هناك سأشعر أن أحدهم يشاطرني لحظات الوداع وأني لست وحدي أمامه ولكن الفكرة أثارت رعبي أكثر فهربت للبحر؛ إلى حيث أرى الطائرات تهبط آمنة… تذكرني تذكرني تذكرني أنك الآن «آمنة» بحق وأنك الآن وديعة الذي استودعتك إياه وأنه الآن ما من ألم…

*****

«زي ما انت عارفة أنه تيتا كانت بتحب الحياة…»

والحياة لم تكن لك كما تستحقين يا غاليتي؛ لكن إن كان في صدقي عزاء فإننا قد أحببناك من كل قلوبنا، ولم أنسك يومًا، وأنت دومًا مقاتلتي المثال.

*****

بكت الفتيات طوال الليل بلا سبب، وبكيت معهن بعض الليل لقلة حيلتي، ولم أرسلهما لمدرستهما حتى ينلن بعض النوم وذهبت لدراستي وذهبن لصديقتهن مع أبيهن عندما استيقظن؛ رُتب اليوم كاملًا لي بدون أي جهد مني؛ لأحزن… ولو أن لا حزن في العالم يوفيك قدرك!

*****

قصصت قصة ولادتي اليوم على أغراب ولولاها ما استطعت مواجهة الموت للحظة…

*****

تحط الطائرات يا حبيبتي، مازلت أرقبها… علمت بناتي ألا يخفن من أصواتها؛ بل يلوحن لها ويهتفون بها: «طيااااااارة»! أرقبها يا ماما وأذكر حضنك ويداك وكلماتك ووداعنا الأخير. أرقبها يا حبيبتي وأتمنى أن تكوني قد وصلت آمنة يا روح القلب…

*****

وقفت بالغروب أدعو لك كما علمتني هبة، بين البحر والسماء في لحظة الغروب؛ دعوة مستجابة… لا أدري بماذا دعوت فلم يتحرك لساني ولكن فاض قلبي يا روحي…

يا روحي…

*****

بابا كان يقول في عظم الأم: «… التي كنا نكرمك من أجلها» وكنت أرتعب عليه وعلينا عوضًا عن متابعة ما يقول بعد ذلك؛ وأعلم، والله أعلم أنك ادخرت لنا في حياتنا كأعمارنا وأكثر دعاءً صادقًا في كل موضع إجابة. وأحدهم كان يقول أن «الرجل يظل طفلًا حتى إذا رحلت أمه؛ شاب فجأة» وأنا يا تيتا أشعر باليتم لفقدك؛ فقدت بعض روحي مع رحيلك ووجدت نفسي وجَلدي وكل ما كنت أظنه في نفسي؛ هباء منثورًا!

*****

كنت متأكدة أن لدي تسجيل ما بصوتك يا روحي، بحثت بحثت حتى وجدته؛ ما بقى لي بصوتك يا غاليتي دعاء: «ربنا يتم لك بخير يا أسماء».

*****

في دراسة ما، أذاعت نتائجها الـ «بي بي سي» في وقت إعصار ما قريب؛ قالت أن مجموعة من العلماء كن يدرسن فترة انقطاع الطمث في الحيتان القاتلة – هي تدعى القاتلة لكنها أجمل الحيتان شكلًا؛ لأنها إحدى ثلاث ثدييات تمر بهذه الظاهرة، الإنسان ثانيهما، وكانت تبحث في سلوك الحيتان ما بعد انقطاع الطمث لمحاولة فهم الهدف من هذه الظاهرة!

وجدت الدراسة، يا حبيبتي، أن في الحيتان القاتلة تكون الجدات هن موجهات القطيع، فتمنح الجيل الذي يليها كل خبراتها في الملاحة، وتمنح الصغار كل وقتها وحنانها وتنقل خبراتها من جيلها والجيل الذي يليها إليهم فيصبح الجيل الثالث أقوى وأكثر فهمًا وأكثر قدرة على الاستمرار والبقاء…

ولو أن العالم عبثي إلا أنك جعلت عالمنا سلسًا وجميلًا، أحببتنا، أحببت أمي وعلمتني كيف أحب، منك تعلمت أن زارع الحب يحصد الحب وزارع الدعاء يحصد الود وأن الخير مرده الخير لا محالة…

أنت جعلت عالمنا رحبًا لأنك كنت الأم الأكبر بكل ما تحمله الكلمة من معنى…

*****

لم يتحمل قلبي الصغير كابوسًا واحدًا لفقدك؛ لكنك كنت دائمًا هناك لتواسيني في حلمي السيء وتعدينني أن كل شيء سيكون على ما يرام. أنا وقلبي ننفطر اليوم يا ماما، أنا وقلبي ننفطر اليوم يا تيتا، أنا وقلبي ننفطر اليوم يا سُعادة، أنا وقلبي ننفطر اليوم بلا عزاء، بلا حضن، بلاكِ…

*****

«بحبك أوي يا تيتا… لا إله إلا الله»

يا حياتي… يا رب تكوني سعيدة النهاردة، وتشوفي جدو وتكوني أسعد حد في الحيوات كلها؛ يا رب تشوفي نفسك اليوم صبية وقلبك يطمئن بلقى باباك ومامتك وحبايبك كلهم…

أنا بحبك أوي…

عزائي انك ارتحتِ يا روحي…

يا رب تكوني ارتحت يا روحي…

يا رب يا روحي…

يا رب… 

55619264_385658475601200_2180711988903018496_n

غروب يوم 28/03/2019 19:23

تعبير… تعابير!

ده كلام شخصي جدًا لأن أنا محتاجة أعبر عن الي جوايا…

أنا مرهقة جدًا.

مستنزفة جدًا وتعبانة جدًا على إثر علاقات كتير مرهقة في حياتي كل ما بحاول أطلع منها بتحاصرني بشكل أو آخر…

ومرهقة من كلام الناس الي متعرفنيش.. مش لأنه مقدرش أتجاوزه؛ لكن لأنه بيأذي القريبين مني بشكل بقى واضح جدًا!

2018 كانت من أصعب السنين الي مرت عليا؛ زلزال، ومازلت توابعه حتى الآن بتهد فيا…

مشتاقة للبرازيل ولخضار ساو باولو وابتسامات الناس وللبرتغالي.. وممتنة لاسطنبول جدًا لأنه زي ما كانت سنة قذرة وسط المصريين؛ كانت سنة عظيمة وسط الأتراك.

لغتي التركية تطورت جدًا بشكل مخليني حاسة بسعادة أغلب الوقت.. بقى لي معارف أتراك مريحين وبتكلم وأنا مطمنة إلى حد كبير، ببتسم في أي مكان عارفني فيه ومش بواجه أحكام في كل خطوة.

أكاديميًا مأنجزتش الي كان نفسي فيه لكن على الطريق، وعلى الناحية التانية فتحت لي مساحات أكاديمية أعظم مما تصورت برة الإطار الرسمي.. مخلياني بجتهد ألاقي شغفي وأخدم….

كانت سنة وسخة على مستوى حقوق الإنسان وتوابعها مكملة معانا لـ 2019 وبنتهزم بشكل دوري في معارك غصب عنا لازم نكمل فيها.

الإهمال الطبي جوة السجون بقى مهمل ويكاد ميعديش شهر بدون وفيات.. ومبقاش في طرق نساعد لأنه الحقوقيين زي الحقوق بيتحاصروا في كل طريق.

وساخة العالم كل ما تقرب لبناتي بتحول؛ بكتشف الأم الأسد الي جوايا الي بتفشخ أي حد يقرب نواحيهم… بس في بيئتهم الحاضنة بجتهد أوفر لهم أأمن مساحة ممكنة ويكفيني من الدنيا ضحكتهم….

كل ما أغمض عيني وأحاول أقنع نفسي أنه كل ده هيعدي؛ مبقدرش أشوف الي بعد كده… ودي أصعب حاجة عليا.

بكتشف وساخة الناس متأخر وبيطلع إحساسي الداخلي عنهم صح… إحساسي القاتل الي بقاومه كل ما خالد يقول لي انت اتعاملت معاهم علشان تعرفي؟ ولما بيشوف فيا الأذى بيتألم جنبي وهو ساكت ألم أنا مش عارفة أتعامل معه…

إيماني أنه الإنسان الأصل فيه الخير مرهق.. إيماني مرهق من محاولة الصمود أمام الخذلان المستمر..

صحتي في النازل؛ مرت عليا فترة شفايفي كانت بتزرق أكثر ما بيبقى فيها لون من الأنيميا ومبقدرش أشوف نفسي كده.. وكل الي خدته من التعليقات أنه “فاجرة حطت مكياج” الي هو *٧* يا جماعة أنا بحط مكياج من قبل ما ما تعرفوا أني على وش الأرض أصلًا.. بس مش حاطاه تجملًا فأبو شكلكم.. بس لأ هتفرق ايه لو شرحت غير مزيد من المشاعر الخرا…

أسماء، شكلك تعبان أوي… هو التعليق الأبرز في 2018 ومازال محاصرني للحظة بس بيقل كل ما تجنبت مقابلة الناس.

خسرت كلبتي في 2018 وكسبت قط حنين زيها في بداية السنة… ورغم كل حنيته مازال مش بيعوضني عن الخسارة..

بس هو ونموه وحركاته ولعبه وضحكه حياة تانية…

راس السنة كان يوم صعب أوي عليا… لدرجة أني عايزة أنصب شجرة الكريسماس وأحط الضوء وأكل آيس كريم لمدة ليلتين في الظلام وأنا بتفرج على أفلام الكريسماس كلها علشان أحس أني بدأت سنة جديدة سعيدة إن شاء الله..

على ذكر البدايات بقى… كل ما حد يسألني أو تيجي مناسبة أتكلم عن عمري بقول بتلقائية أني 23 سنة… وده إنجاز أني بطلت أقول 21؛ بس 3 سنين في اسطنبول استهلكوني ومعيشتهمش إلا أما بدأت أتمرد شوية شوية وأخرج من الدايرة المؤذية ولو لوحدي… ومازلت بشعر بكثير كثير من السعادة لما أقول أني هتم الـ 26 أو أني دفعة 2015 وأحس بصدمة الناس اني مش عجوزة أوي زي ما تخيلوا.. فيها شعور مطمئن أن عمري متسرقش أوي..

بحاول أرجع أركز وأقف على رجليا… بس الموضوع صعب جسديًا أكثر منه نفسيًا… بحاول أتجاوز إحساس كسرة الظهر ولكن كل الوجع الجسدي بيفكرني..

مريت بلحظات جسمي فيها كان بيعذبني، وكان مجرد محاولة فرد ظهري عذاب.. وأني أقعد كان معناه أنه عينيا تقفل بسبب التهاب رقبتي الي كمل عليا..

اللحظات المرعبة الي كانت بتمر بطيئة جدًا بين الاكتشاف، التحليل وانتظار النتيجة كانت مش بتمر حتى لما بتمر.. ومازلت بحلم بيها…

أصعب لحظة مرت عليا كانت لحظة الـ “كفاية بقى” الي كنت بوصلها كتير ولا يبدو أنه هيبقى كفاية أي شيء قريب..

طعم القهوة، التيراميسو، الروج الحلو، والكعب الجميل والرجوع للسباحة وبهجة الرقص واستعادة بعض طاقة الكتابة والصداقات اليافعة الي بدأت أكونها بدأوا يفتحوا ليا نافذة هوا… I am trying so hard to grasp that air

بس أنا مرهقة أوي… وبخاف أستسلم لإحساسي بعدم القدرة على التنفس وأبطل أحاول…

أنا مرهقة أوي بس مش عايزة تبقى نهايتي كل الإرهاق ده…

ولسة عايزة أعيش

لسة في حاجات كتير أوي عايزة أعيشها وأعملها ولسة لا أنا ولا العالم استفدنا من استثمارات عمري كله في عقلي..

أنا مرهقة..

بس لحظة طايشة على مرجيحة فرحتني… وحضن حلو من ناس طيبين بيطمني.. وضحكة البنات وشوفة الحياة في نمو زرعة النعناع والقط وصوت مفتاح خالد في الباب بيعرفني أنه اليوم المتعب خلص وفي أمل لا شك…

بس أنا مرهقة… وعدم الاستسلام صعب جدًا… وعندي أمل أني هرجع للحظة دي وابتسم لروحي المنهكة بروح أقوى…

مش لأنه هتعدي.. لكن لأني هعديها باذن الله…

أنا هعديها بعون الله….

يا رب

IMG_6211

Tag Cloud

%d bloggers like this: