بعض الشيء عن كل شيء © Asmaa Khairy

Archive for August, 2019

عُمَر… عُمْر!

أعتبر صالون تصفيف الشعر والعناية بالجسم هو الملجأ الوحيد من العالم القاسي. هناك، حيث تتساقط الأفكار المخيفة على وقع طرقات الأصابع خلال تدليك فروة رأسي وتغسل المياه الدافئة ما تبقى من آثارها ويبدو العالم ألطف بعض الشيء عندما تكون رائحة شعري جميلة.

أحاديث الصالون عادة ما تكون مسلية جدًا، نتحدث عن ألوان طلاء الأظافر، صبغة الشعر، خطط السفر، رسوم الحناء والأغاني الچاز الرخيمة.

ولكن هذه المرة كانت زيارة مختلفة، وحديث مختلف.

أنا زبونة دائمة وصادقت أغلب العاملين في المكان، أعتبره ملجأي الحقيقي من العالم، وهم يعتبرونني صديقتهم الغريبة المريحة.

لكن هذا اليوم كانت حالة من الوجوم تحيط بالمكان، الجميع يحاول تقديس حزن ما، ابتسامة مريرة على وجه رفيقة الصالون في المقعد المجاور، قرار يحاول الجميع مراجعتها فيه…

كان شعرها طويلًا بعض الشيء، ليس أطول ما يكون لكنه كان أصيلًا، يحتفظ بطبيعته ومن الجلي أنها كانت تعطيه حقه كاملا من العناية… ومن الجلي أن الجميع كان شاهدًا على ذلك.

تجنبت المصففة الحديث، فبادرتها: ما بالكم اليوم…

لم تجبني، أجابتني رفيقة الصالون..

خطف روحي

التفت إليها في تساؤل باد…

قالت: أنتِ عربية أليس كذلك؟ ستفهمينني!

لم أجادل…

بدأت التحدث بعربية تميل للسلامة ويخنقها مقاومة البكاء.

«كنت قد بدأت أتصالح مع غياب الأمل عن حيواتنا، وكنت قد بدأت أنام بلا بكاء. كنت قد حاولت بذل ما يمكن للتخفيف من بؤس العالم؛ حتى التقيته.

كان لقائنا خفيفًا مريحًا آمنًا. كان يبدو صديقًا آمنًا ومن ثم أصبح أكثر من مجرد صديق.

كان اسمه عُمر.

أنتِ عربية… لذلك ستفهمينني.

لقد وعدني بكل ما حمله اسمه من معنى.. وآمنت به.

أتدركين معنى الإيمان بشخص اسمه عُمر؟!

في لحظة تصالحك مع فساد العالم أن تؤمني بالعمار؟

أن تؤمني بالحياة بعد اليقين بانعدامها؟

أن تؤمني بمن يعيد تعمير ما انكسر بروحك؟

أن تؤمني أن أحدًا ما باق.. حقًا باق؟

حسنًا… لقد آمنت به.

آمنت وأسلمت رأسي للغيب.

تزينت للدنيا وتأهبت لوعده… عُمر.»

كنت أخشى متابعتها للحديث وأخشى أن يبدو عليّ ذلك، ولم يكن لي من «عمر» إلا أنني قد نلت نصيبي من الوعود.

«أحببت العربية أكثر لأني بسببها فهمت وعد «عمر» وكما ترين تعمقت أكثر وتعلمت أكثر حتى أعطيه حقه من روحي!»

ابتسمت لها ابتسامة خافتة؛ كانت تبتسم هي بمرارة وتزيد وقفاتها، وعلى وتيرة أنفاسها بدى أن نهاية قصتها وشيكة!

«أترين شعري هذا؛ هو الآن بطول عمري معه وحيوية أحلامي. بلمعان عيناي كلما سمعت صوته!»

كاد قلبي يهوى لرقة الوصف ثم خطفني الألم في عينيها إلى حديثها من جديد…

«أترين هذا الصمت المحيط بنا… هذا بالضبط ما حدث. الجميع هنا يعرف إيماني بعمر. العربي الجميل الذي استطاع أن يحرك مياه حياتي الراكدة ويبسمني من جديد. لهذا يصمتون اليوم»

«بدون مقدمات اختفى عمر، استمرت حياته أمام عيناي وكأنني يومًا لم أكن فيها، وكنت أناديه وكأنني أخاطب السراب حتى أنني شككت لوهلة أنني اختلقت هذا العمر؛ لولا فقدت روحي…»

تنهدت تنهيدة حارة بدت وكأنها أول ذرة هواء تتحرك منذ زمن…

«أترين شعري هذا؟ هذا الذي بطول عمري معه وحيوية أحلامي ولمعان عيناي كلما سمعت صوته…»

ابتسمت… لم تكمل جملتها.

هربت دمعة من طرف عينيها وهي تشير لمصففة الشعر رجاءً أن تباشر طلبها.

كان حديثها عربيًا لم يفهمه سواي اصطلاحًا… لكنهم صففوا هذا الشعر عُمرًا ويعرفونه «عمرًا»…

صمت الجميع حدادًا على خصلات الشعر الحية وهي تتساقط أرضًا. واحدة تلو الآخرى. عيناي خانتاني وأفلتتا الدموع أمام صدق رفيقتي. راقبتها في المرآة ولعنت الخذلان ألف مرة.

قامت برأس حليق؛ تنظر نظرة عتاب مطولة إلى «عُمرها» الباق… ودعتني، أدبًا، بابتسامة؛ ومضت.

مضت لم تلتفت.. لم أر منها سوى دمعة انعكست في المرآة والصمت الذي خلفته خلفها…

خلفت لنا صمتًا وبقايا الـ «عُمر» وصدى خذلانها.

«ليتني… لم أسل!»

Screen Shot 2019-08-01 at 05.18.43

لقد وعدني بكل ما حمله اسمه من معنى.. وآمنت به.
أتدركين معنى الإيمان بشخص اسمه عُمر؟!

Tag Cloud

%d bloggers like this: