مامتي

ماما،

حبيبتي ماما الجميلة

أكتب إليك اليوم بعد 21 عامًا، شهرين و10 أيام من مولدي، وقرب اتمامي عامي الـ 22 هجريًا.. لأني أحبك..

كنت وأنا طفلة مرهقة، تمامًا كيوسف، أراني فيه بكل تصرفاتي، لا أغضب منه، وأصفي أي غضب كان في نفسي من أي تصرف اتخذتموه ضدي وأنا صغيرة، لأني صرت أفهم..

حقيقة، في الأيام القليلة الماضية، تذكرت شيئًا هامًا كنت ترددينه مرارًا “قومي ذاكري على المكتب، لما تكبري وتحتاجي تذاكري مش هتعرفي تركزي لو اتعودتي تذاكري على السرير”

ولم أسمع هذه النصيحة يومًا، أعجز عن الجلوس على كرسي والتركيز، وكذلك أعجز عن التركيز على السرير في قراءة أي شيء سوى الرواية، أتململ من كتابة الأبحاث الطويلة التي كنت أعشقها حتى صارت فروضًا ولها تواريخ؛ ومع ذلك أكتب مذكراتي الطويلة التي لا تأت بالدرجات .. ولكن .. أتذكر ما كنت تقولينه وأضحك :”)

ماما ..

أتذكر فرحتك يوم كنت الأولى على المدرسة في الابتدائية، اتذكر فخرك بي، واتذكر تشجيعك لي دائمًا..

يوم انتهاء الثانوية العامة أخيرًا، وأول يوم لي في الجامعة ..

أتذكر مما أتذكر.. أول يوم لي بالحجاب، أول لحظة، أول مرة خرجنا فيها لشراء ملابس الحجاب؛ أتذكر أول يوم لي بالحجاب في المدرسة .. مستر عماد ومستر محمد سعيد عندما قالا “متقلعيهوش” ورددت عني أنني لن أخلعه :”)

أتذكر ليلة دون كل الليالي التي كنت تحفظينني فيها القرآن، وأسمع صوتنا يردد في جوف الليل في الشرفة وسط الهواء البارد قليلًا سورة الفيل .. “ألم يجعل كيدهم في تضليل”

أتذكر مراجعتك لي النحو في الابتدائية، كل القواعد والقطع الصغيرة التي كنت ترددينها دون كلل فأجيبك بملل فتتهلل أساريرك لإجاباتي الصحيحة .. فأبتهج دون أن أخبرك

أذكر نصائحك لي لمصالحة أبي حين يغضب مني لأي سبب. والأساسيات التي ربيتني عليها من البر والإحسان والأمانة.. والتي إن حدت عنها أتذكر ابتسامتك الفخورة اذا ما بدا مني تصرف يدل عليها وأنا صغيرة؛ حتى وإن كان بيننا…

أعود اليوم فأسترجع كيف كنت، وكيف كانت مراهقتي سنوات ثقيلة مليئة بالتخبط والأسئلة والصراخ..

أتذكر كيف كان شجار يومي على الملابس.. كلا هذا ضيق، كلا هذا قصير، لا داع لهذا، لا داع لتلك ..

أتذكر كيف كنت تدعين بلا ملل “يا رب يهديك يا بنتي” وأرد قائلة “أنا مش مجنونة” وتردين “ربنا يهديني ويهديك.. الدعاء ده مش للمجانين”

أرى الآن بعدما قررت ارتداء العباءة اختفاء ثلاثة أرباع خلافاتنا حول الملابس، والشجار والاحتقان الذي لم يكن له داع منذ البداية.. أتذكر الآن “الحمدلله الذي هدانا” و”ما كنا لنتهدي لولا أن هدانا الله”

وأود لو أقبل رأسكِ ألف مرة .. :”)

أعتذر إليك الآن، أمام العالم أجمع عن كل لحظة كنت سببًا فيها لغضبك أو حزنك أو قلقك..

اليوم، أقول لكِ وبكل فخر إن ما ينتج عني من سلوكٍ حسن هو صنع يداكِ، وأنني اليوم أتمنى فقط أن أكون أمًا مثلك ..

قلت لنفسي وأنا أحاول اقناع يوسف بالنوم منذ يومين أنني سأبكي حين يكون لدي أطفال مثلي ومثله، ولكني أدركت أننا أرهقناك .. فأردت أن أخبرك أني أحبك :”)

أعتذر لك أماه عن كل شيء؛ أنا أريد أن أكون أمًا مثلك .. فما أروعك من أم ..

تذكريني بالدعاء كلما فتحت مصحفك الكبير؛ قدر ما سأتذكر تعليمك لي كيفية ترتيل القرآن وأنا أحمل مصحفك الصغير أينما ذهبت…

أتذكرين، عندما كنت صغيرة وتصنعين لي وحدي الشيء الذي لا يستطيع أي شخص سواك صنعه “عصير الطماطم” لأنني “مقرفة في أكلي” ولا أرضى ولا أسمع الكلام، كان ذلك من أحلى الطعام الذي قدم لي في حياتي ..

أتذكرين حين أهديتني أخي الأكبر، وكان يبكي كثيرًا عندما كان صغيرًا؛ أنا أحبكما وأحبك لأنك تحملتينا سويًا كل هذه الأعوام ..

أتذكرين حين ذهبتي للكشف قبل أن تخبريني بأنك ستأتين بـ “يوسف” وكنت قد حصلت على درجة سيئة في امتحان اللغة الإنجليزية؛ وأعددت لك عشاءً كبيرًا في المنزل واختبئت في السرير حتى عدتما..

فأخبرتماني فكنت أقفز فرحًا لأني سأكون أختًا للمرة الثانية وسأكون أمًا صغيرة أيضًا ..

أتذكرين، عندما كبرت وشارفت مراحل “العقل” – الفترة الحالية يعني – وركنت رأسي إلى كتفك وقت الفجر في الطريق من مكة إلى المدينة، لأرتل من القرآن وأنت تصححين لي قراءتي .. أحبك قدر ما كان بي من الوجد لحظتها أضعافًا مضاعفة..

أماه، أود لو أكون أمًا مثلكِ :”)

أحبك

ddd

أسماء – الدوحة 7:10 مساء

#لبنان: عُمَرْ؛ الصبي الذي توقف عن النمو

لما ابقى دكتورة في الجامعة