هي مصرنا… بين تقدير الموتى وظلم الأحياء

شهدت مصر اليوم حدثًا ثقافيًا مهيبًا، نفذ بإتقان شديد؛ يحي جوانب عدة من التراث المصري الفرعوني ويؤكد على الثقافات المصرية المتعددة والمتعاقبة خلال فقرات مختلفة ومتعددة من الحدث.

وخلال الحدث ذاته وجهت على لسان وزير السياحة والآثار الدكتور خالد العناني رسالة منبعها الشعب المصري، ومن الضروري التأكيد الشعبي عليها وهي: ضرورة رد كافة الآثار المصرية المهربة بطرق غير شرعية لمصر – وكذلك كل الآثار التي نهبت من بلدان أخرى.

كما تألقت خلال الحدث فرق مصرية ومواهب متعددة وبرزت خلاله طاقات المصريين وجمال سواعدهم؛ وهذا الحدث وكل تفاصيل نجاحه ينسب للمصريين… للشباب المصري المجتهد الذي خطط ودأب وعمل بكل جهد لإخراج الحدث بهذا الشكل المتميز.

ورغم كل شيء من جمال الإخراج ودقة الإنتاج؛ يأتي مشهد السيسي وهو يخطو منفردًا في مسارات رسمت من تاريخنا كمشهد مرعب… لأننا لا ننسى أبدًا المسؤولية السياسية والجنائية التي يتحملها السيسي بشخصه وصفتيه وزيرًا للقوات المسلحة ورئيسًا للجمهورية عن عشرات المذابح للمتظاهرين السلميين وعشرات الآلاف من المواطنين المصريين المعتقلين لأسباب سياسية والمخفيين قسريًا والمعذبين في إرجاء مراكز احتجاز وسجون مصر والمهجرين خارج وطنهم والمهجرين قسرًا من بيوتهم داخل وطنهم.

كل هذه الجرائم تظهر أمامنا وفي حلوقنا كالغصة في كل مشهد يخص الوطن ويتبوءه السيسي. ينسب الإنجاز الذي قدمه المصريون للمصريين وللوطن ”مصر“، بينما ينسب لإدارتها -الأشخاص والمؤسسات التنفيذية، والسلطات التشريعية والقضائية المساعدة – في مرحلتي ”المرحلة الانتقالية“ و ”حكم السيسي“ كل المذابح وكل المظالم ولا ينسب للمصريين.

لذلك نفرق بينهما، ولذلك نحتفي بـ ”شعبنا“ الذي نحن منه شاء من شاء وأبى من أبى. من مظالم إدارتي ”السيسي“ أنه حاول تقرير المبدأ: ”انتو شعب واحنا شعب“ على الجميع؛ وهو ما يجب علينا كالفرض العين رفضه رفضًا قاطعًا.

نحن مصريون، ننتمي لمصرنا وشعبنا وأرضنا وتراثنا وتعاقب حضاراتنا… شاء من شاء وأبى من أبى؛ ولن تنزع عنا أو تحرمنا مصريتنا أي سلطة أيًا ما كانت. كوننا مصريون لا يتعارض مع كوننا مدافعين عن حقوق الإنسان، وتلك الانتهاكات التي تحدث على أرض ”مصرنا“ بيد وسواعد ”إدارة السيسي“ لا يعبر عنها أحد أفضل منا نحن – أصحابها – أصحاب الألم وأكثر الناس تماسًا معه.

ولا ينزع دفاعنا عن حق الإنسان المصري في الحياة الكريمة والحرية مصريتنا ولا ”وطنيتنا“. في المنتصف حيث لا يطيقنا أحد نقف؛ وبهذه المناسبة… فهذا تعليق بسيط على الحدث: الإنتاج الفني من أعظم ما قدم في السنوات الأخيرة في مصر ويستحق التقدير، واداء الأوركسترا والاداء الفني كان رائعًا.

كذلك المتحف ذاته وتصميمه وآلية العرض داخله والتقدم بشكل عام في ملف الآثار والسياحة تقدم ملفت للنظر ومحمود. ولكن يؤخذ على المشهد الكامل ركاكة اللغة في التقديم وضعف المحتوى، وإن كانت المتحدثات لبقات وجيدات؛ إلا أن المحتوى كان ضعيفًا على كل الآذان التي اعتادت سماع النصوص الأدبية الراقية بالفصحى والعامية؛ من المصريين.

ولا يلام على ذلك سوى ”إدارة السيسي“ التي قامت بسجن ومطاردة كل صاحب قلم حر؛ ومن أين يأتي الإبداع إن غابت الحرية؟ كما لا نغفل من المشهد الكامل التطور الرهيب لبحيرة عين الصيرة والتي بث منها مشهد المراكب الفرعونية الجميلة الذي شهدناه؛ والذي كان تكلفته تهجير حوالي 40,000 مواطن وفقًا لإحصاء وزارة السكان، أكثر من نصفهم لم يتم تعويضه بأي شكل ولا على أي مستوى. أخيرًا، انطلق موكب المومياوات من المتحف المصري بميدان التحرير، بالقرب من ”لاظوغلي“ حيث توجد ” ثلاجات“ تغييب عشرات من المختفيين قسريًا، وتنطلق المسيرة إلى قلب الميدان مرورًا بمسجد عمر مكرم وكنيسة قصر الدوبارة وشارع محمد محمود؛ ترد الاعتبار لتراث أهمل طويلًا وتتجاوز ثورة حديثة مازال مصابيها أحياء ومعتقليها أحياء ومهجريها أحياء ولا اعتبار لهم…

وتتجاوز المنطقة بأكملها إلى حيث منطقة القصر العيني، حيث تتجمع العديد من منشآت مصر الطبية العريقة التي لم يهتم أحد بترميمها ولا تجديدها ولا توسعتها بينما ترتفع تعدادات حالات الكورونا، ويتكدس الناس على أبواب تلك المؤسسات الطبية طلبًا للعلاج واللقاح — ولا تكفي موارد مصر المالية بالطبع أبدًا لتخصيص ميزانيات لتطوير الصحة؛ ما يدفعنا للسؤال… إذا ما كانت مصر ذات ميزانية محدودة بالفعل ولكنها تستطيع الانفاق على تطوير المنشآت السياحية والأثرية وكذلك على السجون التي تطوق القاهرة؛ فماذا عن أولويات الإنفاق… وماذا عن الغالبية العظمى من الشعب، التي وإن حصلت على التعليم بالجودة المناسبة والرعاية الصحية الفعلية وتحصلوا على الحريات التي يستحقها الإنسان…

ستتطور مصر وتكون كل مشاهدها وجوانبها كالتي شهدناها اليوم؟ تحية إنجاز ما للمصريين لا يعني تجاوز الغصة التي مازالت في حياتنا من المظالم كالاعتقال والتهجير التي لم تنته ولم ترد، ولا تعني تجاوز الدماء التي غمرت أرض مصر في التحرير ومحمد محمود وماسبيرو والعباسية وبورسعيد ورابعة وسيناء وكل المناطق التي مازالت تألم! وأخيرًا… هذا المتحف المهيب الذي افتتح اليوم، رادًا الاعتبار لثقافات تعاقبت على مصر عبر التاريخ؛ يبشرني أن لدى مصر السواعد الكافية لتبني يومًا ما صرحًا يرد الاعتبار لكل ضحايا محطات الثورة المصرية من شهداء ومن مصابين ومن معتقلين… المصريون قادرون على رد الاعتبار؛ والمستقبل لنا.

ما دمنا؛ دامت