وقفت أمام البائع وهو يصنع قهوتي الخاصة، الخاصة جدًا، وهو يضحك من طلباتي التي لا يبدو أني أخجل من طلبها في المرة الأولى للتعامل؛ وقفت أمام البائع أتأمل المناديل وهاتف بداخلي يخبرني أني سأحتاجها اليوم لا أدري لماذا! تجاهلت الهاتف بكل ما بي من قوة لأنني ليس بي من قوة لأي من مسببات احتياجها من مرض أو حزن. أخذت قهوتي ومضيت إلى محاضرتي حيث عدت طالبة علم – وفيما بقى من وقت «التنفس» حكيت لزميلاتي الجدد عن قصة ولادتي لبناتي؛ عن البداية التي جبرت كل شيء…

*****

هاتف بداخي قال لي تلكأي، هاتف قال لي أن هناك سبب ما للتأخير اليوم؛ واستمعت له…

تلكأت بالفعل، دخلت محلًا لبيع أشياء منزلية تبدو مألوفة، ملاعق الطعام هي ما سرق عيني، ملاعق طعام بأيد بلاستيكية تذكرني بشكل ناعم جدًا بطفولتي…

وجدت في ذاك المحل «علاقة» للمفاتيح على شكل فراشة، فابتعتها، وابتعت حقيبتين صديقتين للبيئة؛ عليهما فراشات أيضًا.

*****

في الـ 15:04 وصلتني مكالمة راسلتني أمي خلالها ولم يصلني إشعار رسالتها، وصل صديق عزيز حاملا مفتاح سيارة، تخاطفنا أطراف الحديث على عجل ثم ودني، كان طيفه مازال بالباب حينما فتحت صندوق الوارد ولمحت رسالة من أمي: «ادعيلها كتير»

*****

فتحت الرسائل وأنا في بالي مواساة أمي على مصاب في أحد أصدقائها أو أقاربنا؛ لم يجل بخاطري أبدًا أن المصاب سيكون مصابي.

*****

«كانت جميلة أوي»

هكذا يخفف الألم ربما، أو…

ليس من رأى كمن سمع؛ ومن سمع لم يكن له أن يرى.. ومن سمع لم يكن له أن يستوعب ما لم ير رؤى العين!

*****

«إن العين لتدمع، وإن القلب ليخشع وإنا على فراقك يا روحي لمحزونون»

إن العين فاضت يا روحي، والقلب انفطر؛ لكن أحقًا فارقناك؟!!!!

*****

أول ما جال بخاطري هو أن أذهب للمطار؛ هناك لن يكون من أحد يلومني على البكاء علنًا، هناك سأشعر أن أحدهم يشاطرني لحظات الوداع وأني لست وحدي أمامه ولكن الفكرة أثارت رعبي أكثر فهربت للبحر؛ إلى حيث أرى الطائرات تهبط آمنة… تذكرني تذكرني تذكرني أنك الآن «آمنة» بحق وأنك الآن وديعة الذي استودعتك إياه وأنه الآن ما من ألم…

*****

«زي ما انت عارفة أنه تيتا كانت بتحب الحياة…»

والحياة لم تكن لك كما تستحقين يا غاليتي؛ لكن إن كان في صدقي عزاء فإننا قد أحببناك من كل قلوبنا، ولم أنسك يومًا، وأنت دومًا مقاتلتي المثال.

*****

بكت الفتيات طوال الليل بلا سبب، وبكيت معهن بعض الليل لقلة حيلتي، ولم أرسلهما لمدرستهما حتى ينلن بعض النوم وذهبت لدراستي وذهبن لصديقتهن مع أبيهن عندما استيقظن؛ رُتب اليوم كاملًا لي بدون أي جهد مني؛ لأحزن… ولو أن لا حزن في العالم يوفيك قدرك!

*****

قصصت قصة ولادتي اليوم على أغراب ولولاها ما استطعت مواجهة الموت للحظة…

*****

تحط الطائرات يا حبيبتي، مازلت أرقبها… علمت بناتي ألا يخفن من أصواتها؛ بل يلوحن لها ويهتفون بها: «طيااااااارة»! أرقبها يا ماما وأذكر حضنك ويداك وكلماتك ووداعنا الأخير. أرقبها يا حبيبتي وأتمنى أن تكوني قد وصلت آمنة يا روح القلب…

*****

وقفت بالغروب أدعو لك كما علمتني هبة، بين البحر والسماء في لحظة الغروب؛ دعوة مستجابة… لا أدري بماذا دعوت فلم يتحرك لساني ولكن فاض قلبي يا روحي…

يا روحي…

*****

بابا كان يقول في عظم الأم: «… التي كنا نكرمك من أجلها» وكنت أرتعب عليه وعلينا عوضًا عن متابعة ما يقول بعد ذلك؛ وأعلم، والله أعلم أنك ادخرت لنا في حياتنا كأعمارنا وأكثر دعاءً صادقًا في كل موضع إجابة. وأحدهم كان يقول أن «الرجل يظل طفلًا حتى إذا رحلت أمه؛ شاب فجأة» وأنا يا تيتا أشعر باليتم لفقدك؛ فقدت بعض روحي مع رحيلك ووجدت نفسي وجَلدي وكل ما كنت أظنه في نفسي؛ هباء منثورًا!

*****

كنت متأكدة أن لدي تسجيل ما بصوتك يا روحي، بحثت بحثت حتى وجدته؛ ما بقى لي بصوتك يا غاليتي دعاء: «ربنا يتم لك بخير يا أسماء».

*****

في دراسة ما، أذاعت نتائجها الـ «بي بي سي» في وقت إعصار ما قريب؛ قالت أن مجموعة من العلماء كن يدرسن فترة انقطاع الطمث في الحيتان القاتلة – هي تدعى القاتلة لكنها أجمل الحيتان شكلًا؛ لأنها إحدى ثلاث ثدييات تمر بهذه الظاهرة، الإنسان ثانيهما، وكانت تبحث في سلوك الحيتان ما بعد انقطاع الطمث لمحاولة فهم الهدف من هذه الظاهرة!

وجدت الدراسة، يا حبيبتي، أن في الحيتان القاتلة تكون الجدات هن موجهات القطيع، فتمنح الجيل الذي يليها كل خبراتها في الملاحة، وتمنح الصغار كل وقتها وحنانها وتنقل خبراتها من جيلها والجيل الذي يليها إليهم فيصبح الجيل الثالث أقوى وأكثر فهمًا وأكثر قدرة على الاستمرار والبقاء…

ولو أن العالم عبثي إلا أنك جعلت عالمنا سلسًا وجميلًا، أحببتنا، أحببت أمي وعلمتني كيف أحب، منك تعلمت أن زارع الحب يحصد الحب وزارع الدعاء يحصد الود وأن الخير مرده الخير لا محالة…

أنت جعلت عالمنا رحبًا لأنك كنت الأم الأكبر بكل ما تحمله الكلمة من معنى…

*****

لم يتحمل قلبي الصغير كابوسًا واحدًا لفقدك؛ لكنك كنت دائمًا هناك لتواسيني في حلمي السيء وتعدينني أن كل شيء سيكون على ما يرام. أنا وقلبي ننفطر اليوم يا ماما، أنا وقلبي ننفطر اليوم يا تيتا، أنا وقلبي ننفطر اليوم يا سُعادة، أنا وقلبي ننفطر اليوم بلا عزاء، بلا حضن، بلاكِ…

*****

«بحبك أوي يا تيتا… لا إله إلا الله»

يا حياتي… يا رب تكوني سعيدة النهاردة، وتشوفي جدو وتكوني أسعد حد في الحيوات كلها؛ يا رب تشوفي نفسك اليوم صبية وقلبك يطمئن بلقى باباك ومامتك وحبايبك كلهم…

أنا بحبك أوي…

عزائي انك ارتحتِ يا روحي…

يا رب تكوني ارتحت يا روحي…

يا رب يا روحي…

يا رب… 

55619264_385658475601200_2180711988903018496_n
غروب يوم 28/03/2019 19:23