بعض الشيء عن كل شيء © Asmaa Khairy

Archive for the ‘Uncategorized’ Category

عُمَر… عُمْر!

أعتبر صالون تصفيف الشعر والعناية بالجسم هو الملجأ الوحيد من العالم القاسي. هناك، حيث تتساقط الأفكار المخيفة على وقع طرقات الأصابع خلال تدليك فروة رأسي وتغسل المياه الدافئة ما تبقى من آثارها ويبدو العالم ألطف بعض الشيء عندما تكون رائحة شعري جميلة.

أحاديث الصالون عادة ما تكون مسلية جدًا، نتحدث عن ألوان طلاء الأظافر، صبغة الشعر، خطط السفر، رسوم الحناء والأغاني الچاز الرخيمة.

ولكن هذه المرة كانت زيارة مختلفة، وحديث مختلف.

أنا زبونة دائمة وصادقت أغلب العاملين في المكان، أعتبره ملجأي الحقيقي من العالم، وهم يعتبرونني صديقتهم الغريبة المريحة.

لكن هذا اليوم كانت حالة من الوجوم تحيط بالمكان، الجميع يحاول تقديس حزن ما، ابتسامة مريرة على وجه رفيقة الصالون في المقعد المجاور، قرار يحاول الجميع مراجعتها فيه…

كان شعرها طويلًا بعض الشيء، ليس أطول ما يكون لكنه كان أصيلًا، يحتفظ بطبيعته ومن الجلي أنها كانت تعطيه حقه كاملا من العناية… ومن الجلي أن الجميع كان شاهدًا على ذلك.

تجنبت المصففة الحديث، فبادرتها: ما بالكم اليوم…

لم تجبني، أجابتني رفيقة الصالون..

خطف روحي

التفت إليها في تساؤل باد…

قالت: أنتِ عربية أليس كذلك؟ ستفهمينني!

لم أجادل…

بدأت التحدث بعربية تميل للسلامة ويخنقها مقاومة البكاء.

«كنت قد بدأت أتصالح مع غياب الأمل عن حيواتنا، وكنت قد بدأت أنام بلا بكاء. كنت قد حاولت بذل ما يمكن للتخفيف من بؤس العالم؛ حتى التقيته.

كان لقائنا خفيفًا مريحًا آمنًا. كان يبدو صديقًا آمنًا ومن ثم أصبح أكثر من مجرد صديق.

كان اسمه عُمر.

أنتِ عربية… لذلك ستفهمينني.

لقد وعدني بكل ما حمله اسمه من معنى.. وآمنت به.

أتدركين معنى الإيمان بشخص اسمه عُمر؟!

في لحظة تصالحك مع فساد العالم أن تؤمني بالعمار؟

أن تؤمني بالحياة بعد اليقين بانعدامها؟

أن تؤمني بمن يعيد تعمير ما انكسر بروحك؟

أن تؤمني أن أحدًا ما باق.. حقًا باق؟

حسنًا… لقد آمنت به.

آمنت وأسلمت رأسي للغيب.

تزينت للدنيا وتأهبت لوعده… عُمر.»

كنت أخشى متابعتها للحديث وأخشى أن يبدو عليّ ذلك، ولم يكن لي من «عمر» إلا أنني قد نلت نصيبي من الوعود.

«أحببت العربية أكثر لأني بسببها فهمت وعد «عمر» وكما ترين تعمقت أكثر وتعلمت أكثر حتى أعطيه حقه من روحي!»

ابتسمت لها ابتسامة خافتة؛ كانت تبتسم هي بمرارة وتزيد وقفاتها، وعلى وتيرة أنفاسها بدى أن نهاية قصتها وشيكة!

«أترين شعري هذا؛ هو الآن بطول عمري معه وحيوية أحلامي. بلمعان عيناي كلما سمعت صوته!»

كاد قلبي يهوى لرقة الوصف ثم خطفني الألم في عينيها إلى حديثها من جديد…

«أترين هذا الصمت المحيط بنا… هذا بالضبط ما حدث. الجميع هنا يعرف إيماني بعمر. العربي الجميل الذي استطاع أن يحرك مياه حياتي الراكدة ويبسمني من جديد. لهذا يصمتون اليوم»

«بدون مقدمات اختفى عمر، استمرت حياته أمام عيناي وكأنني يومًا لم أكن فيها، وكنت أناديه وكأنني أخاطب السراب حتى أنني شككت لوهلة أنني اختلقت هذا العمر؛ لولا فقدت روحي…»

تنهدت تنهيدة حارة بدت وكأنها أول ذرة هواء تتحرك منذ زمن…

«أترين شعري هذا؟ هذا الذي بطول عمري معه وحيوية أحلامي ولمعان عيناي كلما سمعت صوته…»

ابتسمت… لم تكمل جملتها.

هربت دمعة من طرف عينيها وهي تشير لمصففة الشعر رجاءً أن تباشر طلبها.

كان حديثها عربيًا لم يفهمه سواي اصطلاحًا… لكنهم صففوا هذا الشعر عُمرًا ويعرفونه «عمرًا»…

صمت الجميع حدادًا على خصلات الشعر الحية وهي تتساقط أرضًا. واحدة تلو الآخرى. عيناي خانتاني وأفلتتا الدموع أمام صدق رفيقتي. راقبتها في المرآة ولعنت الخذلان ألف مرة.

قامت برأس حليق؛ تنظر نظرة عتاب مطولة إلى «عُمرها» الباق… ودعتني، أدبًا، بابتسامة؛ ومضت.

مضت لم تلتفت.. لم أر منها سوى دمعة انعكست في المرآة والصمت الذي خلفته خلفها…

خلفت لنا صمتًا وبقايا الـ «عُمر» وصدى خذلانها.

«ليتني… لم أسل!»

Screen Shot 2019-08-01 at 05.18.43

لقد وعدني بكل ما حمله اسمه من معنى.. وآمنت به.
أتدركين معنى الإيمان بشخص اسمه عُمر؟!

كراكيب

كانت الآنسة الصغيرة تمضي في طريق طويل يسمى طريق الحياة وكانت الأحذية مريحة أحيانًا وأحيانًا أخرى كانت مؤلمة للغاية.. لكن لا شيء كان يغير واقع أن الطريق كان طويلًا.. طويلًا بلا نهاية.

حسنًا.. هذه بداية مملة جدًا لقصة أطفال عديمة الملامح.. ولكن هذه القصة للكبار فقط؛ لذا، فالبدايات مهمة.

كان الطريق ككل طريق طويل للغاية.. أحيانًا يتقاطع مع طرق أناس آخرون لكن مهما استمروا فإن الفراق لا بد منه ولا مفر؛ كانت هذه معلومة تجاهلها الجميع عند أول خطوة على هذا الطريق.. لكنها تصبح بديهية مع الوقت.

كان الطريق بالفعل طويل.. ولا أدري لم استعمل صيغة الماضي عند الحديث عن طريق لم يزل طويلًا. وكانت الآنسة الصغيرة – هنا أعلم لم أستخدم صيغة الماضي لذا لا داع للتساؤل عن هذا أيضًا – تترك خلفها في كل انحناءة آثرًا ليعود بها إلى خبراتها المختلفة وذكرياتها المتعددة.

ولأن الطريق طويل للغاية.. أصبح الطريق مزينًا بـ “كراكيب” لعبة، وكراس، وكتاب، و ميدالية، وقصاصة ورق فارغة، وتذكرة سينما، وكارت شحن، فاتورة شراء، منديل عليه فكرة مهمة، مدونات، صور، تذكارات، مفاتيح وأحذية… وأشياء أخرى بالطبع؛ أعني.. لو عددنا الكراكيب على طول الطريق لكتبنا قصة بطول الطريق.. أليس كذلك؟!

على الطريق الطويل من السهل أن ينسى المرأ من أين أتى، ماذا حدث له، وأحيانًا… ينسى من يكون!

كانت كراكيب الآنسة الصغيرة تساعد في الإجابة على الأسئلة الكبيرة، وكانت توثق كل انحناءة فارقة وكل شيء له معنى.

كان الطريق الطويل يمر عبر البحار.. مضت الآنسة الصغيرة عبر البحار فمضت؛ لم تعد، والتهمت نيران النسيان كراكيب الآنسة الصغيرة..

على الناحية الأخرى من البحار الواسعة.. وقفت امرأة يافعة تلمح الأضواء البارقة لنيران النسيان تغشى خطوات الآنسة الصغيرة، وقفت.. تنفست ثم أدارت ظهرها إلى البحار في حذاء جديد وتابعت..

مازال الطريق طويلًا جدًا..

مازال الطريق طويلًا.

*

*

*

*

*

أسماء

اسطنبول، فجرًا

المتمردة والمحفظة البيضاء ذات الشريطة البنية اللامعة

الحب”..  “أنا سوف أحب” تتقافز فتاة في السابعة وهي تغلق قصتها الأولى عن الحب. تعدد في رأسها ما تعرفه عن الحب.. ثم أخذت تعدد من تحب.. ثم أخذت تتقافز فرحًا: أنا أحب كل الناس.

كانت السنوات السبع حكمًا أكثر عدلًا على ماهية الحب مما تكون الحياة؛ لذا بالطبع أكتب عن تلك الفتاة بضمير الغائب.. لأننا تباعدنا كثيرًا وصارت ذكرى جميلة في الصور.

رحلت تلك الفتاة مع سنوات الابتدائية حين قرأت في الثامنة قصة عن حبيب غدر، ثم رأت مدرستها المفضلة تبكي لانفصالها عن زوجها التي كانت تحب؛ ثم زميلات الدراسة وهن يتغيرن فيتباعدن ويتقاربن. ثم سنوات الإعدادية والثانوية حيث قطار الملاهي السريع الذي لا يتوقف ولا ينسى؛ ثم الجامعة حيث الدنيا أكبر وأكبر من القصص الملونة ذات النهايات السعيدة والعالم ذو القنابل والحروب والسياسات الصفرية.

آه؛ كلا، لقد زارتنا فتاتي حين ذكرت السياسات الصفرية ونظريات الواقعية، وابتسمت وضحكت.. وقالت أحب هذا. شغف قلبها حبًا جديدًا يدغدغني كلما ذكر.. لكن ليس مكانه هذه القصة.

دعوني أتوقف هنا لأرتشف رشفة من شايَّ الساخن الخالي من السكر – في كوب من الزجاج الملون لأنه يذكرني بصويحبات يملئنني حبًا

نعم، كنت أقول، تباعدت وفتاتي الصغيرة وصارت ذكرى جميلة في الصور؛ إلا أنني لم أتوقف عن الحب. أحب كل الناس.. ولكن؛ مع الأسف، لم يعد ذلك سببًا للتقافز فرحًا.. ربما.. للبكاء.

وصفت لحبي للعالم بالمتمردة من كل حد وصوب، كل من أحببت عارضني لحبي لآخر.. وأدركت أن نفسي لن ترتاح يومًا لأن لا أحد في دنيانا يحب الحب كاملًا. أدركت ذلك لحبي لدراستي وصقل معلميني لي. أنا نتاج ما علموني.. والحب.

قبل أن يكون العالم قرية صغيرة عن طريق أسلاك عملاقة تمر أسفل المحيطات الخطيرة، كان عالمنا الضيق جدًا يعتبر كلمة الحب عيب. لذلك كان ممنوع قولها وبالطبع تعرفون أن ما يقر في القلب يقر في القلب وإن مُنع اللسان من التصريح به ورغم ذلك أحببت عالمنا الضيق جدًا… تمامًا كما أحب قريتنا الصغيرة الآن. المهم؛ لم تكن أمي تحب ترديد كلمة “حب” حتى لا يؤذيني عالمنا ذو الفهم المعيوب عن الحب.. ولكنني كنت متمردة في حضورها أيضًا.. ولأنني الآن أم.. فأرى الآن بقلبها الشغوف كيف كانت تخشى عليّ من العالم.. لا تمنعني من الحب.

وذات يوم، كنت بعملي في قريتنا الصغيرة إذ صادفت أميرًا. لم يكن أميرًا ذو حاشية وخيل وعربات وقصور، لكن كان خلوقًا كيسًا لطيف القول ورقيق الابتسامة؛ فمُلئت روحي في حينها بنبضة من قلبي.. تنبئ خلايايّ كلها أن القلب قد خفق خصيصًا لينعم بلحظة جديدة من الحياة؛ ليحب هذا الأمير.

أوه؛ كانت تلك رواية فتاتي الصغيرة بالطبع.. وروايتي أيضًا.. لأننا قد التقينا مجددًا في تلك اللحظة.. وللحظة.. تقافزت فتاتي فرحًا وهي تقول.. “أحب كل العالم”

وذات يوم جاء أميري ليشاركني حب العالم.. كنت فقدت الأمل في أن أجد قلبًا واسعًا يتسع لبعض حبي لكل الناس؛ فوجدت قلبًا يحبني معهم. في ذات اليوم ذهبت فتاة في السابعة لأمها وتقافزت فرحًا وقالت: “أحب.”.

تورد وجهي أنا وتورد وجه أمي.. لكن فتاة في السابعة ظلت تتقافز.

مضت الأيام.. كما تمضي؛ أو بالأحرى.. كما يجب أن تمضي.. لأنها لا تفعل ذلك كثيرًا؛ وجاءت أمي للطفلة بنت السابعة بمحفظة بيضاء ذات شريطة بنية وقالت: “هنا أحتفظ لك بهدية زفافك”.

كانت المحفظة بيضاء كقلب أمي، مصنوعة من الساتان الأبيض الذي أعشق كفستان زفافي، مزينة بتطريز رقيق كيداها التي أفتقدها حين كنت أقوم على صوتها وهي تصلي فجرًا. تعلو الخيوط دوائر لامعة، وتغلقها شريطة بنية لامعة وزر بني متلألأ… انطبعت صورة المحفظة في ذاكرتي وعلمت أن فيها كانت تحفظ أمي كل الحب الذي لم تردني أن أهدره على عالمنا الضيق ذو الفهم المعيوب للحب.

آتى يوم الهدية، وتم الزفاف، وصار العمر لحظات تتسرب هربًا منا في ساعة رملية ذات اتجاه واحد؛ وصارت بنت السابعة أمًا…

وضعت فتاتيها في السرير ومضت تجوب المنزل حتى يناما… ولمحت في مكتبتها محفظة بيضاء ساكنة ذات شريطة بنية لامعة؛ فابتسمت..

“ياللعالم….”

تمردتُ وتمردت فتاة في السابعة، وأحببت العالم عمرًا ولم يحببني… وإن نضب الحب يومًا في قلبي؛ أرنو لمكتبتي…

فيها هدية أمي.

محفظة بيضاء، ذات شريطة بنية لامعة.. مليئة بحب.. يغمر العالم؛ ويفيض.

**

اسطنبول

 

زاهية وعفريتة الرجال

مرحبًا.. أنا اسمي زاهية؛ ولدت في بيتٍ جميل على شاطئ البحر حيث قالوا لأمي أنني حورية وقابلتها الغجرية وأنا في حضنها في طريقنا إلى الحياة وقالت لها: حوريتك هذه ذكية.. فكوني بارة بها وكوني لها عينان تريا من العالم ما هو جميل.

أمي لم تكن تحب الغجر، فابتسمت في وجهها ابتسامة باهتة رمادية ومضت.. وكانت تلك الابتسامة أول ما رأيت من العالم

في طفولتي اشترت لي أمي فساتينًا بيضاء كثيرة، كانت دومًا تقول أنني أكون في عز بهائي في اللون الأبيض.. كانت تمنيني دائمًا بحفل زفاف كبير، أحلى من كل الحفلات التي حضرناها سويًا… وكانت تقول أنها ستمشي يومها في خيلاء فخرًا بي.

لا أعرف عن أمي الكثير، وصلت للمرحلة الجامعية الآن وكل ما أعرفه عن أمي هو قصصها الكثيرة عن عالم النساء.. وعالم النساء كما رأيته من خلال قصص أمي هو عالم من المتاهات والألغام والقلق.. كانت أمي تحكي عنه دومًا بحماسة وكأنها تتربع على عرشه ولا يصيبها منه شيء؛ لكنني اكتفيت منه بصديقة بعيدة أراسلها كل حين.. كانت تسكن جواري عندما كنا أطفالًا؛ لكن والدها سافر بعيدًا.. قال هناك أأمن.

أذكر من قصص أمي قصة كانت دائمًا ما تقصها عليّ، وعلى مسامع الجميع في الحقيقة، وأنا في الرابعة؛ كانت تحكي لي عن عفريتة الرجال..

عفريتة الرجال كانت بالنسبة لأمي جنية شريرة تزور الرجال في منامهم وتختطفهم إلى عالمها وتضعهم في شبكة كشباك العنكبوت ثم تتركهم هناك… تجمعهم كما التمائم، هكذا قالت أمي.

ولا أعرف ما سر اهتمام أمي بالتمائم وشباك العناكب لو كانت لا تحب العوالم الأخرى؛ لكنني دومًا ما تخيلت رأس أمي بيتٌ مهجور مليء بأكوام التراب المتحركة وتعشش فيه العناكب.. كنت دائمًا ما أتخيل عفريتة الرجال تسكن رأس أمي المهجور فقط وأضحك.. لكنني لم أخبرها قط.

لكنني أدركت في مرحلة مبكرة أن أمي ربما تكون قد وقعت على رأسها وهي صغيرة.. أو أصابها ميكروب تآكل رأسها على إثره وتحول إلى ذاك البيت المهجور. أدركت ذلك عندما كنا في أمان الله ذات يوم من أيامنا العادية، ورأيت أمي وحيدة على مسافة مني فذهبت إليها متهللة الأسارير لأقول لها شيئًا ما.. فوجدتها وقد هرعت في اتجاهي ويبدو عليها الهلع وتدفعني في اتجاه آخر وهي تقول: “العفريتة هنا.. هيا بنا قبل أن تخطفك أنت الأخرى”.. “ألا يكفيها الرجال”

كنت أظنها تمزح فلم يكن هناك أحد حولنا.. ولكنها كانت جادة؛ ويبدو أنها كانت خائفة جدًا لدرجة أنها ابتاعت لي السكاكر يومها ولعبة كبيرة. لا أخفيكم سرًا.. استمتعت بذلك ولم أقل لأمي أنه لم يكن هناك أحد سوى في عقلها المهجور.. وظللت أستمتع بذلك سنينًا بعدها؛ السكاكر تستحق.. أليس كذلك؟

مضى زمن طويل على هذه القصة وأدركت أمي أنني لم أعد أحب القصص، وأستطيع شراء السكاكر لنفسي؛ فانصرفت عني لحالها.

لكن اليوم أخذتنا مدرستنا في رحلة لإحدى الجامعات الراقية، حيث استقبلتنا عميد إحدى الكليات. كانت أنيقة للغاية، أناقة اعتادت أن تأسرني؛ كان شعرها القصير مصفف بعناية، بينما يبدو كإطار لنظارتها الطبية الواسعة، التي كانت تكلل فستانها الأسود الطويل ووشاح هادئ الألوان يحمل شعار الجامعة. كان حديثها أنيقٌ مثلها، رسّخ في بالي في حينها أنني أريد أن أكون مثل هذه الشخصية: واسعة العلم، هادئة الطلة وجميلة الوقع في نفوس الآخرين

قبل أن تنتهي رحلتنا الميدانية إلى الجامعة استأذنت من الأستاذة في حوار خاص وأخذت أسألها رأيها حول طموحي الدراسي وهل الجامعة هنا هي أفضل الأماكن لتحقيقه؛ كما سألتني بعض الأسئلة عني وعن طريقتي في الاستذكار ومنهجيتي في التفكير وقالت لي في النهاية أنني إنسانة واعدة وستكون لي بصمة جميلة في المجتمع… سعدت جدًا بكلماتها فقد كانت داعمًا كبيرًا لي ودافعًا للمضي قدمًا.

قبل أن أنهي حوارنا طلبت منها أن آخذ معها صورة، وعلى استحياء طلبت منها اسمها من جديد لأنني لا أجيد حفظ الأسماء من أول مرة.. فضحكت للغاية وأعادت ذكر اسمها وقالت أنها دومًا ما تنسى الأسماء أيضًا. استأذنتها في وضع صورتها في حسابي على انستجرام وأخبرتها أن اسمي “زاهية”… فتمنت لي أن أكون اسمًا على مسمى ولم تمانع نشر الصورة؛ قالت أن هذا كان فصلًا انتقاليًا لها وأنها في الأصل تدرس في جامعة في بلد آخر وقد لا تكون هنا لاستقبالنا العام القادم.. وأعطتني طريقة للتواصل معها حال احتجت ذلك لأي سبب.

كنت فخورة جدًا بنفسي ولا أكاد أطيق الانتظار للعودة إلى المنزل لمشاركة تفاصيل يومي؛ لكن ما إن دلفت عبر باب المنزل حتى صدمتني رؤية أمي متشحة بالسواد وعيناها تذرفان دمعًا ملوثًا بكحل ملون وأبي في طرف الغرفة يضرب كفًا بكف.

كانت أمي تنظر إلى صورتي في انستجرام وتهذي وهي تبكي: “العفريتة”.. “بنتي مع العفريتة”.. “العفريتة رجعت”.. “العفريتة هتخطف حياتي.. هتخطف روحي”.. “بنتي بتضحك للعفريتة”..

شعرت بكل حماسة اليوم تتقهقر في نفسي.. تذكرت على الفور قصة العفريتة المتكررة في صغري.. وهالني أن أمي ترى قدوتي “عفريتتها الهرمة”.. حاولت أن أربت على كتفها إلا أنها دفعتني بعيدًا وزادت في صراخها..

ذهبت إلى أبي وقلت له.. “ألم يكن لك أن تهدم البيت القديم في عقلها وتبني شيئًا حلوًا؟”

نظر لي في غير فهم.. فتركته ومضيت. مضيت إلى غرفتي، حيث إخوتي الصغار.. آملة أن يكون أحدٌ غيري في هذا المنزل قد نجا من أساطير أمي ليتفهم حلمي في أن أكون ما أريد.. لأكون ما قد تصفه نساء رؤوسهم كرأس أمي بـ “العفريتة”.

** تمـت **

737

في جميلِ الحبِ

وإني أحبك…

هكذا أختصر كل المعاني ويبقى الجميل من حُبِكَ لا يُباح…

أعانقك بعيناي حين تغادرني وأتلمس خطاك، دفء أثرك، وجميل عطرك، وسَكينة روحي في رُباك…

إني هَويتك…

ولو أن الهاوية في حبك ترقى بي، إلا أن الهوى هو أقدر على الوصف مني…

يا صاحبي إني هويت في حبك ولازلت أهوى…

في حضورك أجد ضالتي، وفي نقائصي أجد جمالك، وفي ابتسامتي أجد ظلالك… في مرضي أجدك دوائي وفي قوتي أجدك سندي وفي ليلي أنت السناء…

وإني وَجدُتُ بك…

وأنى للكلمات في الوَجد أن تنصف…

من قبل حين لامستَ أوتار قلبي، من قبل في غفلة مني، وجدتني على حافة البوحِ لا أقوى عليه… وقلتُ “أنا…” وعلقتُ همساتي في الهواء عسى ألا تصل..فأدركتُ قلبكَ في ابتسامة لم أرها وسكتُ…

سكتُ وغُربتُ عنك عمرًا طويلًا مريرًا مقفرًا؛ وما زادني اغترابي عنك إلا هوىً وما اعترفتُ…

من قبل حين لامست أوتار قلبي في غفلة مني.. عجزت أن أوفيك حقك من الحب كما عجزي كل يوم… وعجرتُ أن أوفيّ روحي من البوح كما عجزي كل يوم..

وإن أحبكُ.. كل يوم.. وكل لحظة، يبقى الجميل من حُبِكَ؛ لا يُباح!10604648_954251731257898_974936311708085455_o

إختلاسات

كان ذلك عندما اختلست العيون المرهقة من الزمان ساعة. على بعد آلاف الأميال التقت العيون المرهقة عبر قمرات صغيرة. وعلى بعد آلاف الأميال تشاركت العيون المرهقة ذات الإبتسامة.

وكان ذلك عندما التمعت عيناه بروحه الرقراقة، وأينعت عيناها كنهار صبي، وتبسمت شفاههم على غير موعدٍ، وسرى التلاقي كبلسم يجبر كسرًا أضناهما ويداوي شروخًا تصدعت في غربتهما ويلئم جروحًا كان سقمها أن ينال منهما. سرى التلاقي كأنفاس غضة لروحهما المرهقة.

وكان ذلك حين كان يراقبها دون أن تلحظ، فرفعت نظرها إليه إختلاسًا فتلاقيا، ففاضت روحها في جسدها خجلًا، وتزين ثغره بابتسامة.

وكان ذلك في غمرة غضبه وحزمه تجاه قوم آخرين، أن كان يلاقي عينيها بابتسامة يطمئن بها قلبها أن لن يكون لها منه إلا الرقة.

وكان ذلك حين ابتسما، كلٌ لرفيقه وحده، وابتسما مليًا ..

ثم كان ذلك حينما تبدا لها خلقه، وتبدت لها شيمه، وابتلعه الغيب سرًا كريمًا راقيًا لا يباح به.

ثم كان أن فاضت روحها خلسة بدعوة، في جوف الليل دامعة، تدعو ربها قلبه، تدعو ربها كان كريمًا فأكرمه، وتبكي، أن إليَّ رُدَهُ.

survive - waiting for k

أسْمَّاءْ

تهالك ..

 

الإرهاق يستبد بها ، رأسها مثقل بالأم و جفنيها مرهقان من محاولات النهوض . يتسرب الخدر لأنحاء جسدها كلها . تثقل أطرافها و تشعر بجسدها يخرج عن سيطرها.

تلقي برأسها على كتف أخيها ، تسدل جفنيها ..

تغفو ، دون ان تدرك ..

يبتسم هو و هو يضم اخته إلى صدره شاعرا بالقوة و المسؤولية ، يعبث بشعرها ثم يقبل رأسها!

“حفظك الله يا درتي “

Tag Cloud

%d bloggers like this: